فهرس الكتاب

الصفحة 7200 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا هُوَ سَاكِنُهَا ، بِمَاذَا يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَبَرُّ إِذَا انْتَقَلَ مِنْهَا بِبَدَنِهِ وَلَا اعْتِبَارَ بِنَقْلِ عِيَالِهِ وَمَالِهِ . وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَبَرُّ إِلَّا أَنْ يَنْتَقِلَ بِبَدَنِهِ وَعِيَالِهِ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِنَقْلِ مَالِهِ . وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ لَا يَبَرُّ ، حَتَّى يَنْتَقِلَ بِبَدَنِهِ وَعِيَالِهِ وَمَالِهِ ؟ فَمَتَّى خَلَّفَ أَحَدَهَا حَنِثَ . وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ بِرَّهُ مُعْتَبَرٌ بِنَقْلِ بَدَنِهِ وَعِيَالِهِ ، وَأَنْ يَنْقُلَ مِنْ مَالِهِ مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ ، وَإِنْ خَلَّفَ فِيهَا مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ فِي سُكْنَاهَا بَرَّ ، وَإِنْ خَلَّفَ مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ فِي سُكْنَاهَا حَنِثَ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ فِي أَنَّ الْبِرَّ لَا يَخْتَصُّ بِبَدَنِهِ دُونَ عِيَالِهِ وَمَالِهِ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنِ اسْتَضَافَ رَجُلًا بِبَدَنِهِ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى السُّكْنَى عِنْدَهُ لِخُرُوجِهِ عَنْ عُرْفِ السُّكْنَى ، فَصَارَ الْعِيَالُ وَالْمَالُ مِنْ جُمْلَةِ السُّكْنَى . وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْ خَلَّفَ عِيَالَهُ وَمَالَهُ فِي دَارِهِ ، وَخَرَجَ مِنْهَا إِلَى دُكَّانِهِ ، أَوْ بُسْتَانِهِ لَا يُشَارُ بِسُكْنَاهُ إِلَى مَكَانِهِ ، وَيُشَارُ بِهِ إِلَى دَارِهِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى عِيَالِهِ وَمَالِهِ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [ إِبْرَاهِيمَ: 37 ] ، فَكَانَ بِالشَّامِ وَوَلَدُهُ وَأُمُّهُ بِمَكَّةَ ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ سُكْنَى الشَّامِ ، وَإِنْ كَانَ عِيَالُهُ فِي غَيْرِهَا . وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ سَاكِنًا فِيهَا بَعْدَ الِانْتِقَالِ عَنْهَا بِبَدَنِهِ ، لِبَقَاءِ عِيَالِهِ وَمَالِهِ لَوَجَبَ إِذَا سَافَرَ بِبَدَنِهِ أَنْ يَكُونَ كَالْمُقِيمِ فِي الْمَنْعِ مِنْ قَصْرِهِ وَفِطْرِهِ ، فَلَمَّا أُجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ السَّفَرِ وَجَبَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الِانْتِقَالِ ؛ وَلِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ لَوْ أَقَامَ بِمَكَّةَ كَانَ كَالْمُسْتَوْطِنِ لَهَا فِي سُقُوطِ الدَّمِ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ عِيَالُهُ وَمَالُهُ فِي غَيْرِهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِبَدَنِهِ دُونَ عِيَالِهِ وَمَالِهِ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنَا مُقِيمٌ بِمِصْرَ ، وَأَهْلِي وَوَلَدِي وَكُتُبِي بِمَكَّةَ أَفَتَرَانِي سَاكِنًا بِمَكَّةَ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ يَمِينَهُ بِفِعْلِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا مَوْقُوفًا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَتَعَلَّقُ بِحَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِشْهَادِهِمْ بِالضَّيْفِ فَهُوَ أَنَّهُ نَزَلَهَا ضَيْفًا ، فَلَمْ يَنْطَلِقْ عَلَيْهِ اسْمُ السُّكْنَى ، وَإِنْ كَانَ مَعَ عِيَالِهِ وَمَالِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا قَصَدَ السُّكْنَى ، فَكَانَ اخْتِلَافُ الِاسْمَيْنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت