فهرس الكتاب

الصفحة 7224 من 8432

فَصْلٌ: فَأَمَّا يَمِينُ الْمُكْرَهِ فَلَا تَنْعَقِدُ قَوْلًا وَاحِدًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَنْعَقِدُ كَالْمُخْتَارِ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ . وَدَلِيلُهُ فِي الْأَيْمَانِ مَا رُوِيَ أَنَّ الْيَمَانَ وَالِدَ حُذَيْفَةَ حَلَّفَهُ الْمُشْرِكُونَ أَنْ لَا يُعِيرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ ، فَقَالَ:"أَوْفِ بِعَهْدِكَ"فَسَوَّى بَيْنِ يَمِينِ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْتَارِ ؛ وَلِأَنَّهَا يَمِينُ مُكَلَّفٍ فَانْعَقَدَتْ كَالْمُخْتَارِ . وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ مَكْحُولٍ ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ ؛ وَلِأَنَّ مَا مَنَعَ ثُبُوتُ الْكُفْرِ مِنَ انْعِقَادِ الْيَمِينِ كَالْجُنُونِ ، وَأَمَّا يَمِينُ الْيَمَانِ فَحَلَفَ بِهَا مُخْتَارًا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُشْرِكًا . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُخْتَارِ ، فَلَا يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَا يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْكُفْرِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ ، فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَنْ يَحْلِفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ غَدًا ، أَوْ لَيَرْكَبَنَّ هَذِهِ الدَّابَّةَ غَدًا ، أَوْ لَيَلْبِسَنَّ هَذَا الثَّوْبَ غَدًا حكمه ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي وَقْتِهِ . وَالثَّانِي: أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى وَقْتِهِ . وَالثَّالِثُ: أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْ وَقْتِهِ . وَالرَّابِعُ: أَنْ يَفُوتَهُ فِعْلُهُ فِي وَقْتِهِ . فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي وَقْتِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ فِي غَدِهِ ، وَيَرْكَبَ الدَّابَّةَ ، وَيَلْبَسَ فِيهِ الثَّوْبَ ، فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ إِذَا جَعَلَ ذَلِكَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ ؛ لِأَنَّ الْغَدَ هُوَ يَوْمٌ يَسْتَوْعِبُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ فَجْرِهِ وَغُرُوبِ شَمْسِهِ ، وَلَيْسَ مَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَبَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ الْغَدِ وَلَا هُمَا وَقْتَ الْبِرِّ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يُقَدِّمَ فِعْلَ ذَلِكَ قَبْلَ وَقْتِهِ ، فَهُوَ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ فِي يَوْمِهِ ، وَيَرْكَبَ فِيهِ الدَّابَّةَ ، وَيَلْبَسَ فِيهِ الثَّوْبَ ، فَلَا يَبَرُّ بِذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَيَحْنَثُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى فِعْلِهِ فِيهِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَبَرُّ وَلَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ يَمِينِهِ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ فِعْلَ ذَلِكَ عَنْ غَدِهِ ، وَهُوَ فِي التَّقْدِيمِ غَيْرُ مُؤَخِّرٍ لَهُ ، فَبَرَّ فِيهِ . وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ الْبِرَّ مُقَيَّدٌ بِزَمَانٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِيهِ كَالْمُقَيَّدِ بِالْمَكَانِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَقْدِيمُ الْمَكَانِ كَتَأْخِيرِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ الزَّمَانِ كَتَأْخِيرِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَبَرَّ بِفِعْلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت