فهرس الكتاب

الصفحة 7231 من 8432

إِلَى الْمُقَارَبَةِ ، وَرَمَضَانُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ لِلْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جَمِيعُهُ وَقْتًا لَهُ ، فَغَلَبَ حُكْمُ اللَّفْظِ عَلَى حُكْمِ الْوَقْتِ فَحُمِلَ عَلَى الْحَدِّ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ جَمَعَ بَيْنَ"عِنْدَ"، وَ"إِلَى"فِي الْحِنْثِ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْبِرِّ ، فَإِذَا قَالَ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ لَمْ يَبَرَّ إِلَّا بِدَفْعِهِ مَعَ رَأْسِ الشَّهْرِ ، وَإِذَا قَالَ: إِلَى رَأْسِ الشَّهْرِ بَرَّ بِدَفْعِهِ فِي وَقْتِهِ ، وَإِلَى عِنْدِ رَأْسِ الشَّهْرِ ؛ لِأَنَّ عِنْدَ لَمْ تُوضَعْ إِلَّا لِلْمُقَارَبَةِ ، وَإِلَى قَدْ وُضِعَتْ لِلْمُقَارَبَةِ تَارَةً ، وَلِلْحَدِّ أُخْرَى ، فَاجْتَمَعَ فِيهِمَا حُكْمُ الْمُقَارَبَةِ وَحُكْمُ الْحَدِّ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِمَا الْحُكْمَانِ مَعًا ، فَصَارَا لِأَجْلِ ذَلِكَ مُجْتَمِعَيْنِ فِي الْحِنْثِ إِنْ لَمْ يَقْضِهِ حَتَّى جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ حَنِثَ ، وَمُفْتَرِقَيْنِ فِي الْبِرِّ إِنْ قَضَاهُ فِي قَوْلِهِ: إِلَى رَأْسِ الشَّهْرِ قَبْلَ الشَّهْرِ بَرَّ ، وَإِنْ قَضَاهُ فِي قَوْلِهِ: عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ قَبْلَ الشَّهْرِ لَمْ يَبَرَّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَوْ قَالَ إِلَى حِينٍ فَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ: لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى مُدَّةِ الدُّنْيَا وَيَوْمٍ ، وَالْفُتْيَا أَنْ يُقَالُ لَهُ: الْوَرَعُ لَكَ أَنْ تَقْضِيَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ يَوْمٍ: لِأَنَّ الْحِينَ يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ حَلَفْتَ وَلَا نُحَنِّثُكَ أَبَدًا: لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ لِلْحِينِ غَايَةً". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْحِينُ مِنَ الزَّمَانِ فَجَمْعُهُمْ لَا حَدَّ لَهُ فِي الشَّرْعِ عِنْدَنَا ، وَحَدَّهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، وَحَدَّهُ مَالِكٌ بِسَنَةٍ ، فَإِذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ إِلَى حِينٍ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَّا بِفَوَاتِ الْقَضَاءِ بِمَوْتِهِ أَوْ مَوْتِ صَاحِبِ الْحَقِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ قَضَاهُ فِي سِتَّةِ أَشْهُرِ بَرَّ ، وَإِنْ قَضَاهُ بَعْدَهَا حَنِثَ ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ قَضَاهُ إِلَى سَنَةٍ بَرَّ ، وَإِنْ قَضَاهُ بَعْدَهَا حَنِثَ ، وَاسْتِدْلَالُنَا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا فَقَدَّرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّهَا فِي النَّخْلِ مُدَّةُ حَمْلِهَا مِنْ أَوَّلِ طَلْعِهَا إِلَى آخِرِ جِذَائِهَا ، وَقَدَّرَهُ مَالِكٌ بِسَنَةٍ ؛ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ ، فَتَكُونُ مِنَ الْإِطْلَاعِ إِلَى الْإِطْلَاعِ سِتَّةً . وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ الْحِينَ اسْمٌ مُبْهَمٌ ، يَنْطَلِقُ عَلَى قَلِيلِ الزَّمَانِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [ الرُّومِ: 17 ] ، وَأَرَادَ بِهِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ ، وَيَنْطَلِقُ عَلَى مُدَّةِ الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ ص: 88 ] ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَيَنْطَلِقُ عَلَى مَا بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ [ الْإِنْسَانِ: 1 ] يَعْنِي تِسْعَةَ أَشْهُرٍ هِيَ مُدَّةُ حَمْلِهِ ، وَقِيلَ: هِيَ أَرْبَعُونَ سَنَةً إِشَارَةً إِلَى آدَمَ أَنَّهُ صُوِّرَ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَطِينٍ لَازِبٍ ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُرَادُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ دُونَ غَيْرِهِ ، وَيَنْطَلِقُ عَلَى قَلِيلِ الزَّمَانِ وَكَثِيرِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَضَاهُ قَبْلَ مَوْتِهِ ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت