فهرس الكتاب

الصفحة 7238 من 8432

لَمَّا حَنِثَ بِشُرْبِ بَعْضِهِ فِي النَّفْيِ وَجَبَ أَنْ يَبَرَّ بِشُرْبِ بَعْضِهِ فِي الْإِثْبَاتِ ، وَعَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ الْمَرْوَزِيِّ لَا يَبَرَّ فِي الْإِثْبَاتِ بِشُرْبِ بَعْضِهِ كَمَا لَا يَحْنَثُ فِي النَّفْيِ بِشُرْبِ بَعْضِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَبَرَّ صَارَ مَحْكُومًا بِحِنْثِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى بِرِّهِ ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ ، يَكُونُ حَانِثًا ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْبِرِّ ، وَفِي زَمَانِ حِنْثِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: عَقِيبَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ اسْتِحَالَةَ الْبِرِّ يَمْنَعُ مِنْ تَأْخِيرِ الْحِنْثِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْنَثُ مِنْ آخِرِ حَيَاتِهِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ يَمِينِهِ عَلَى التَّرَاخِي ، فَكَانَ تَحْقِيقُ الْحِنْثِ عَلَى التَّرَاخِي .

فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَفَ: لَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ ، فَشَرِبَ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ ، أَوْ لَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ ، فَشَرِبَ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ يَخُصُّ الْيَمِينَ ، وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَشْرَبُ مَاءَ الْفُرَاتِ حَنِثَ بِشُرْبِهِ مِنْ دِجْلَةَ وَمِنَ الْفُرَاتِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْفُرَاتَ هُوَ الْعَذْبُ ، فَحَنِثَ بِشُرْبِ كُلِّ مَاءٍ عَذْبٍ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا [ الْمُرْسَلَاتِ: 27 ] ، أَيْ: عَذْبًا ، وَلَا فَرْقَ إِذَا حَلَفَ لَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَهُ مِنْ إِنَاءٍ اغْتَرَفَ بِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَشْرَبَهُ كَرْعًا بِفِيهِ كَالْبَهِيمَةِ . فَأَمَّا إِذَا حَلَفَ ، لَا شَرِبْتُ مِنْ دِجْلَةَ ، فَإِنْ شَرِبَ مِنْهَا كَرْعًا بِفَمِهِ حَنِثَ بِإِجْمَاعٍ ، وَإِنِ اغْتَرَفَ مِنْهَا بِإِنَاءٍ وَشَرِبَ مِنَ الْإِنَاءِ حَنِثَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَكْرَعَ مِنْهَا بِفَمِهِ ، وَلَا يَبَرُّ إِنِ اغْتَرَفَ بِيَدِهِ احْتِجَاجًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَأَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ ، فَاغْتَرَفَ مِنْ مَائِهِ ، وَشَرِبَهُ لَمْ يَحْنَثْ كَذَلِكَ إِذَا حَلَفَ: لَا شَرِبْتُ مِنْ دِجْلَةَ ، فَاغْتَرَفَ مَا شَرِبَهُ مِنْ مَائِهَا ، لَمْ يَحْنَثْ بِوُقُوعِ الْيَمِينِ عَلَى مُسْتَقَرِّ الْمَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الشُّرْبَ مِنْهَا حَقِيقَةٌ ، وَمِنْ مَائِهَا مَجَازٌ ، وَحَمْلُ الْأَيْمَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْمَجَازِ . وَدَلِيلُنَا أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَاءَ الْمَشْرُوبَ مُضْمَرٌ فِي اللَّفْظِ ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالشُّرْبِ ، كَمَا يُقَالُ: شَرِبَ أَهْلُ بَغْدَادَ مِنْ دِجْلَةَ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ مِنَ الْفُرَاتِ ، أَيْ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ وَمَاءِ الْفُرَاتِ ، فَصَارَ إِضْمَارُهُ كَإِظْهَارِهِ ، فَلَمَّا كَانَ لَوْ حَلَفَ: لَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ حَانِثًا ، فَشَرِبَهُ مِنْهَا عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَجَبَ إِذَا حَلَفَ ، لَأَشْرَبُ مِنْ دِجْلَةَ أَنْ يَحْنَثَ بِشُرْبِهِ مِنْهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الْمُضْمَرَ مَقْصُودٌ كَالْمُظْهَرِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت