بَابُ جَامِعِ الْأَيْمَانِ الثَّانِي مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ فَأَكَلَ رُؤُوسَ الْحِيتَانِ أَوْ رُؤُوسَ الطَّيْرِ أَوْ رُؤُوسَ شَيْءٍ يُخَالِفُ رُؤُوسَ الْغَنَمِ وَالِإِبِلِ وَالْبَقَرِ ، لَمْ يَحْنَثْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الَّذِي يَعْرِفُ النَّاسُ إِذَا خُوطِبُوا بِأَكْلِ الرُّؤُوسِ إِنَّمَا هِيَ مَا وَصَفْنَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِلَادٌ لَهَا صَيْدٌ يَكْثُرُ كَمَا يَكْثُرُ لَحْمُ الْأَنْعَامِ فِي السُّوقِ وَتُمَيَّزُ رُؤُوسُهَا ، فَيَحْنَثُ فِي رُؤُوسِهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ إِذَا حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ عُمُومَ الرُّؤُوسِ كُلِّهَا مِمَّا انْطَلَقَ اسْمُ الرَّأْسِ عَلَيْهِ ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ كُلِّ مَا سُمِّيَ رَأْسًا مِمَّا يُفْصَلُ مِنْ أَبْدَانِهَا ، كَرُؤُوسِ الْغَنَمِ أَوْ لَا يُفْصَلُ كَرُؤُوسِ الطَّيْرِ ، وَالْحِيتَانِ ، اعْتِبَارًا بِمُرَادِهِ فِيمَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ الِاسْمِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ نَوْعٍ مِنَ الرُّؤُوسِ بِعَيْنِهَا دُونَ مَا عَدَاهَا ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهَا وَحْدَهَا ، سَوَاءٌ انْفَصَلَ فِي الْعُرْفِ أَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ ، وَلَا يَحْنَثْ بِأَكْلِ مَا عَدَاهَا ، اعْتِبَارًا بِمُرَادِهِ فِي التَّخْصِيصِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلَقَ اسْمُ الرُّؤُوسِ ، وَلَا تَكُونُ لَهُ إِرَادَةٌ فِي عُمُومٍ ، وَلَا تَخْصِيصٍ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ فِي مَا انْطَلَقَ اسْمُ الرَّأْسِ عَلَيْهِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ رُؤُوسِ الطَّيْرِ وَالْحِيتَانِ وَالْجَرَادِ ، وَإِنِ اتَّفَقَ عَلَيْهَا حَقِيقَةُ اسْمِ الرُّؤُوسِ بِخُرُوجِهِ عَنِ الْعُرْفِ ، فَصَارَتِ الْحَقِيقَةُ مَخْصُوصَةً بِالْعُرْفِ ، كَمَا خُصَّتِ الْأَرْضُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ عَلَى بِسَاطٍ بِالْعُرْفِ ، وَكَمَا خُصَّتِ الشَّمْسُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ فِي سِرَاجٍ بِالْعُرْفِ . وَإِذَا كَانَ الْحِنْثُ مُعْتَبَرًا فِيهَا بِالْعُرْفِ دُونَ الْحَقِيقَةِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَحْنَثُ بِهِ مِنْ أَكْلِ الرُّؤُوسِ عِنْدَ إِطْلَاقِهَا . فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ رُؤُوسِ النَّعَمِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِهَا مِنْ رُؤُوسِ الطَّيْرِ وَالْحِيتَانِ ، وَهُوَ عُرْفُ الْحِجَازِ ، لِأَنَّهُمْ يَفْصِلُونَ رُؤُوسَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مِنْ أَجْسَادِهَا ، وَيُفْرِدُونَ بَيْعَهَا فِي أَسْوَاقِهَا .