كِتَابُ النُّذُورِ مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ لَزِمَهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى الْمَشِيِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ رَكِبَ وَأَهْرَاقَ دَمًا احْتِيَاطًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُطِقْ شَيْئًا سَقَطَ عَنْهُ ، وَلَا يَمْشِي أَحَدٌ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا النَّذْرُ فِي اللُّغَةِ ، فَهُوَ الْوَعْدُ بِخَيْرٍ أَوْ بِشَرٍّ ، قَالَ عَنْتَرَةُ الْعَبْسِيُّ: الشَّاتِمَيْ عِرْضِي وَلَمْ أَشْتُمْهُمَا وَالنَّاذِرَيْنِ إِذَا لَمَ أَلْقَهُمَا دَمِي وَأَمَّا النَّذْرُ فِي الشَّرْعِ ، فَهُوَ الْوَعْدُ بِالْخَيْرِ ، دُونَ الشَّرِّ ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالنُّذُورِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ الْمَائِدَةِ: 1 ] ، وَقَالَ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [ الْإِسْرَاءِ: 24 ] ، يَعْنِي مَسْئُولًا عَنْهُ ، وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْعَهْدِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَقْدَ مَا كَانَ بَيْنَ مُتَعَاقِدَيْنِ ، وَالْعَهْدَ قَدْ يَنْفَرِدُ فِيهِ الْإِنْسَانُ فِي حَقِّهِ نَفْسَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ إِلْزَامٌ بِوَثِيقَةٍ ، وَالْعَهْدَ إِلْزَامٌ بِغَيْرِ وَثِيقَةٍ ، فَصَارَ الْعَقْدُ أَوْكَدَ مِنَ الْعَهْدِ ، فَأَمَرَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بِالْوَفَاءِ . وَقَالَ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [ النَّحْلِ: 16 ] ، فَجَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ نَقْضِهِ ، ثُمَّ حَمِدَ مَنْ وَفَّى بِنَذْرِهِ فَقَالَ: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [ الْإِنْسَانِ: 7 ] ، وَحَمِدَ مَنْ وَفَّى بِعَهْدِهِ فَقَالَ: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا [ الْبَقَرَةِ: 177 ] ثُمَّ ذَمَّ وَتَوَعَّدَ مَنْ لَمْ يَفِ بِعَهْدِهِ ، وَلَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ فَقَالَ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [ التَّوْبَةِ: 75 ، 76 ، 77 ] وَهَذَا نَزَلَ فِي ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ وَفِي سَبَبِ نُزُولِهِ فِيهِ قَوْلَانِ: