فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [ الْبَقَرَةِ: ] . وَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ . وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ سُورَةُ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ فِي الْمُفَصَّلِ . وَالنَّسْخُ إِنَّمَا يَتَأَخَّرُ وَيَخْتَصُّ بِالْمُتَأَخِّرِ فِي التَّنْزِيلِ دُونَ التِّلَاوَةِ . وَإِنْ أَشْكَلَ الْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا عَدَلَ إِلَى الدَّلِيلِ الثَّانِي: وَهُوَ بَيَانُ الرَّسُولِ: فَإِنْ ثَبَتَ عَنْهُ بَيَانُ النَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ عَمِلَ عَلَيْهِ وَكَانَتِ السُّنَّةُ مُبَيِّنَةً لَهُ وَلَمْ تَكُنْ نَاسِخَةً . وَإِنْ عُدِمَ بَيَانُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَلَ إِلَى الدَّلِيلِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ فَإِنِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَعْيِينِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ عَمِلَ عَلَيْهِ وَكَانَ الْإِجْمَاعُ مُبَيِّنًا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِخًا . وَإِنْ عَدَمَ الْإِجْمَاعَ عَدَلَ إِلَى الدَّلِيلِ الرَّابِعِ وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْتَعْمَلًا وَالْآخَرُ مَتْرُوكًا كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ نَاسِخًا وَالْمَتْرُوكُ مَنْسُوخًا . فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الِاسْتِعْمَالِ بَيَانٌ إِمَّا لِاشْتِبَاهِهِ أَوْ لِاشْتِرَاكِهِ عَدَلَ إِلَى الدَّلِيلِ الْخَامِسِ: وَهُوَ التَّرْجِيحُ بِشَوَاهِدِ الْأُصُولِ وَتَطَلُّبِ الْأَدِلَّةَ وَكَانَتْ غَايَةُ الْعَمَلِ بِهِ . وَسَمِعْتُ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ إِنَّ كُلَّ آيَةٍ مَنْسُوخَةٍ فَفِي ضِمْنِ تِلَاوَتِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا لَيْسَ بِثَابِتٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، مِثْلُ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فِي حَدِّ الزِّنَا: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [ النِّسَاءِ: ] . دَلَّ قَوْلُهُ: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا أَنَّ حُكْمَهَا لَا يَدُومُ فَنَسَخَتْهَا آيَةُ النُّورِ فِي قَوْلِهِ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [ النُّورِ: ] . وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"خُذُوا عَنِّي ، خُذُوا عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ"وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ هَذَا الْقَائِلُ يَبْعُدُ أَنْ يُوجَدَ فِي كُلِّ آيَةٍ مَنْسُوخَةٍ ، لَكِنَّهُ مُعْتَقِدٌ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ تَكُونُ نَسْخًا فَيَجْعَلُ ذَلِكَ فِي شَوَاهِدِ الْمَنْسُوخِ ، وَلَيْسَتِ الزِّيَادَةُ عِنْدَنَا عَلَى النَّصِّ نَسْخًا .
[ الْقَوْلُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ ] . وَأَمَّا الْقِسْمُ السَّابِعُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ: فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَرِنًا بِهِ وَمُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ وَمُتَأَخِّرًا عَنْهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمَنْسُوخِ وَلَا مُقْتَرِنًا بِهِ ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ . وَالْفَرْقُ الثَّانِي: أَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانُ مَا أُرِيدَ بِالْعُمُومِ ، وَالنَّسْخُ بَيَانُ مَا لَمْ يُرَدْ بِالْمَنْسُوخِ .