فهرس الكتاب

الصفحة 7482 من 8432

ثُمَّ إِذَا اجْتَهَدَ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَسْتَبِيحُ الِاجْتِهَادَ بِرَأْيِهِ أَوْ يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى دَلَائِلِ الْكِتَابِ إجتهاد الأنبياء ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي اجْتِهَادِهِ إِلَى الْكِتَابِ ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَعَانِي مَا خَفِيَ مِنْهُ مِنْ جَمِيعِ أُمَّتِهِ ، فَكَانَ اجْتِهَادُهُ بَيَانًا وَإِيضَاحًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ بِرَأْيِهِ وَلَا يَرْجِعَ إِلَى أَصْلٍ مِنَ الْكِتَابِ ، لِأَنَّ سُنَّتَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ مِثْلُ الْكِتَابِ قَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا ، فَقَالَ: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الْحَشْرِ: ] . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ"إِنَّمَا أَجْتَهِدُ رَأْيِي فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ شَيْءٌ". وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي عِصْمَةِ اجْتِهَادِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْخَطَأِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِي اجْتِهَادِهِمْ مِنَ الْخَطَأِ لِتَسْكُنَ النَّفْسُ إِلَى الْتِزَامِ أَوَامِرِهِمْ بِانْتِفَاءِ الْخَطَأِ عَنِ اجْتِهَادِهِمْ . وَهَذَا مُقْتَضَى الْوَجْهِ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُمْ لَا يَجْتَهِدُونَ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ مِنْ نَصٍّ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ مِنَ الْخَطَأِ فِيهِ لِوُجُودِهِ مِنْهُمْ لَكِنْ لَا يُقِرُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ لِيَزُولَ الِارْتِيَابُ بِهِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُقِرًّا عَلَيْهِ ، لِأَنَّ دَاوُدَ قَدْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ فَاسْتَدْرَكَهُ اللَّهُ بِإِصَابَةِ سُلَيْمَانَ ، وَاجْتَهَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَسْرَى بَدْرٍ بَعْدَ مُشَاوَرَةِ أَبَى بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ فَأَنْكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [ الْأَنْفَالِ: ] . وَهَذَا مُقْتَضَى الْوَجْهِ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ إِنَّهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدُوا بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ بِنَصٍّ . وَذَهَبَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْصُومُ الِاجْتِهَادِ مِنَ الْخَطَأِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، لِأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ يَسْتَدْرِكُ خَطَأَهُ لِانْخِتَامِ النُّبُوَّةِ بِهِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَدْ بُعِثَ بَعْدَهُ مَنْ يَسْتَدْرِكُ خَطَأَهُ . وَهَذَا الْقَوْلُ لَا وَجْهَ لَهُ ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرُ مُقَرِّينَ عَلَى الْخَطَأِ فِي وَقْتِ التَّنْفِيذِ وَلَا يُمْهَلُونَ فِيهِ عَلَى التَّرَاخِي حَتَّى يَسْتَدْرِكَهُ نَبِيٌّ بَعْدَ نَبِيٍّ فَاسْتَوَى فِيهِ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ . فَهَذَا حُكْمُ اجْتِهَادِهِمْ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ . فَأَمَّا أُمُورُ الدُّنْيَا فَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِيهَا الْخَطَأُ وَالسَّهْوُ رُوِيَ"أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ ضَجَّةً بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ قِيلَ: إِنَّهُمْ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ . فَقَالَ: وَمَا يَنْفَعُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوهُ لَمْ يَضُرَّهُمْ فَبَلَغَهُمْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَقَلَّ حَمْلُ النَّخْلِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَرَدُّوهُ إِلَيَّ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت