فهرس الكتاب

الصفحة 7568 من 8432

وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي ذَلِكَ وَأَحْضَرَهُ الْمُدَّعِي خَطَّهُ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِخَطِّهِ إِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ . فَإِنْ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي شُهُودًا يَشْهَدُونَ عِنْدَهُ بِمَا ثَبَتَ مِنْ حَقِّهِ عَلَى خَصْمِهِ فَلِذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ عِنْدَهُ لِهَذَا الْمُدَّعِي بِكَذَا ، سَمِعَ الْقَاضِي هَذِهِ الشَّهَادَةَ ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى إِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَلَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عِنْدَهُ أَنَّهُ حَكَمَ لِهَذَا الْمُدَّعِي عَلَى خَصْمِهِ بِكَذَا لِثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ ، فَيَشْهَدُونَ عِنْدَهُ بِحُكْمِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ . فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى حُكْمِ نَفْسِهِ وَبِهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى حُكْمِ نَفْسِهِ كَمَا يَسْمَعُهَا عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ . اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ قَوْلَ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ، وَاسْتَشْهَدَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى مَا قَالَهُ ذُو الْيَدَيْنِ فَصَدَّقَاهُ ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ، فَكَانَ مَنْ عَدَاهُ مِنَ الْحُكَّامِ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ أَحَقَّ . وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، لِمَا رَوَاهُ حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ بِالْهُرْمُزَانِ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، حِينَ نَزَلَ عَلَى حُكْمِهِ ، فَلَمَّا قَدِمَ الْهُرْمُزَانُ عَلَيْهِ سَكَتَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تَكَلَّمْ ، فَقَالَ: أَكَلَامُ حَيٍّ أَمْ كَلَامُ مَيِّتٌ ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تَكَلَّمْ فَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ ، فَقَالَ:"نَحْنُ وَأَنْتُمْ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ حَيْثُ خَلَا اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كُنَّا نَسْتَعْبِدُكُمْ فَلَمَّا كَانَ اللَّهُ مَعَكُمْ فَلَيْسَ لَنَا بِكُمْ يَدَانِ ، فَأَمَرَ عُمَرَ بِقَتْلِهِ لِهِ ، فَقَالَ لَهُ أَنْسٌ: كَيْفَ تَقْتُلُهُ وَقَدْ قُلْتَ لَهُ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ ؟ فَقَالَ عُمَرُ لِأَنَسٍ:"مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ ؟"فَشَهِدَ مَعَهُ الزُّبَيْرُ ، فَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا ، وَأَطْلَقَهُ آمِنًا ، وَفَرَضَ لَهُ فِي الْعَطَاءِ ، وَكَانَ هَذَا بِمَشْهَدٍ مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى عُمَرَ سَمَاعَهُ لِلشَّهَادَةِ عَلَى قَوْلِهِ ، فَدَلَّ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِهِ . وَقَدْ أَجَازَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي رِوَايَاتِ السُّنَنِ الْمَشْرُوعَةِ: رَوَى رَبِيعَةُ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ"وَنَسِيَ سُهَيْلٌ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ لَهُ رَبِيعَةُ: أَنْتَ حَدَّثْتَنِي فَكَانَ سُهَيْلٌ يَقُولُ:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت