وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مِرَارًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَكَانَ ضَرِيرًا . وَكَانَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ يُصَلِّي بِقَوْمِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعَلِّمُهُمْ وَكَانَ ضَرِيرًا ، لَا يَنْهَاهُ وَلَا يَأْمُرُ قَوْمَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلُوا بِغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَنْكَفَّ بَصَرُهُ عَنِ الْمَحَارِمِ ، فَيَكْثُرُ خُشُوعُهُ وَيُخْلِصُ قَلْبُهُ ، وَلِأَنَّ الْعَمَى فَقْدُ عُضْوٍ وَفَقْدُ الْأَعْضَاءِ لَا تَمْنَعُ مِنَ الْإِمَامَةِ كَالْأَقْطَعِ . فَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّهُ لَا يَتَوَقَّى الْأَنْجَاسَ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ طَهَارَتُهُ ، وَالشَّيْءَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ ، وَظَاهِرِهِ ، وَلَوِ اعْتَبَرْنَا هَذَا لَرَأَيْنَا كَثِيرًا مِنَ الْبُصَرَاءِ بِهَذَا الْوَصْفِ ، فَلَمْ يَكُنِ الْأَعْمَى مُخْتَصًّا ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يُرْشَدُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَيُوَجَّهُ نَحْوَهَا ، فَذَاكَ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ ، فَأَمَّا فِي وَقْتِ ائْتِمَامِهِمْ بِهِ فَإِنَّهُ عَلَى ثِقَةٍ مِنَ الْقِبْلَةِ ، وَيَقِينٍ كَالْبَصِيرِ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِمَامَتُهُ جَائِزَةٌ وَلَا تُكْرَهُ ، وَإِمَامَةُ الْحُرِّ أَفْضَلُ مِنْهُ ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ مِجْلَزٍ أَنَّهُ كَرِهَ إِمَامَتَهُ ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ إِمَامَتَهُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ لِنَقْصِهِ بِالرِّقِّ . وَالدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ إِمَامَتِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لِمَنْ وُلِّيَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ وُلِّيَ عَلَيْكُمْ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ مَا أَقَامَ بِكُمُ الصَّلَاةَ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى خَلْفَ مَوْلًى لَهُ ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَرَ صُهَيْبَ بْنَ سِنَانٍ الرُّومِيَّ فَصَلَّى بِالْمُهَاجِرِينَ ، وَالْأَنْصَارِ ، وَكَانَ عَبْدًا لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ . فَلَمْ يَكْرَهْ إِمَامَتَهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَرَوَى الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ قَالَ: كُنَّا نَخْتَلِفُ إِلَى عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَجَمَاعَةٌ: فَتَأْمُرُ عَبْدًا لَهَا يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَمْرٍو ، فَيُصَلِّي بِنَا عِنْدَ وَقْتِ الصَّلَاةِ . فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ إِمَامَتَهُ جَائِزَةٌ ، وَغَيْرُ مَكْرُوهَةٍ ، فَإِمَامَةُ الْحُرِّ أَفْضَلُ مِنْهُ ، لِنَقْصِهِ بِرِقِّهِ وَكَمَالِ الْحُرِّ بَحُرِّيَّتِهِ ، وَثُبُوتِ وِلَايَتِهِ ، وَجَوَازِ شَهَادَتِهِ ، وَإِمَامَةُ الْحُرِّ الضَّرِيرِ أَفْضَلُ مِنْ إِمَامَةِ الْعَبْدِ الْبَصِيرِ ، لِأَنَّ الرِّقَّ نَقْصٌ ، فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ الْعَبْدَ اسْتِئْذَانُ سَيِّدِهِ فِي الْإِمَامَةِ ، قِيلَ: إِنْ كَانَتْ إِمَامَتُهُ بِقَدْرِ صَلَاتِهِ فِي الِانْفِرَادِ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْذَانُهُ ، وَإِنْ تَطَاوَلَ عَنْ حَدِّ الِانْفِرَادِ كَالْجُمُعَةِ لَزِمَهُ اسْتِئْذَانُهُ لِمَا فِيهَا مِنْ تَفْوِيتِ خِدْمَتِهِ .
فَصْلٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَكْرَهُ إِمَامَةَ وَلَدِ الزِّنَا ، وَإِمَامَةَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ: لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَهَى رَجُلًا كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ . فَإِنْ أَمَّ