فهرس الكتاب

الصفحة 7643 من 8432

هَدَايَا أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى وُلَاةِ السَّلْطَنَةِ . وَأَمَّا هَدَايَا دَارُ الْإِسْلَامِ فَتُقَسَّمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُهْدِيَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ إِمَّا عَلَى حَقٍّ يَسْتَوْفِيهِ ، وَإِمَّا عَلَى ظُلْمٍ يَدْفَعُهُ عَنْهُ ، وَإِمَّا عَلَى بَاطِلٍ يُعِينُهُ عَلَيْهِ ، فَهَذِهِ هِيَ الرِّشْوَةُ الْمُحَرَّمَةُ . رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"لُعِنَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي وَالرَّائِشُ"فَالرَّاشِي: بَاذِلُ الرِّشْوَةِ ، وَالْمُرْتَشِي: قَابِلُ الرِّشْوَةِ ، وَالرَّائِشُ: الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَهُمَا . وَلِأَنَّ الْهَدِيَّةَ إِنْ كَانَتْ عَلَى حَقٍّ يَقُومُ بِهِ فَهُوَ مِنْ لَوَازِمِ نَظَرِهِ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَزِمَهُ الْقِيَامُ بِحَقٍّ أَنْ يَسْتَعْجِلَ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْجِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ . وَإِنْ كَانَ عَلَى بَاطِلٍ يُعِينُ عَلَيْهِ ، كَانَ الِاسْتِعْجَالُ أَعْظَمُ تَحْرِيمًا ، وَأَغْلَظُ مَأْثَمًا . فَأَمَّا بَاذِلُ الرِّشْوَةِ فَإِنْ كَانَتْ لِاسْتِخْلَاصِ حَقٍّ أَوْ لِدَفْعِ ظُلْمٍ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ بَذْلُهَا ، كَمَا لَا يَحْرُمُ افْتِدَاءُ الْأَسِيرِ بِهَا . وَإِنْ كَانَتْ لِبَاطِلٍ يُعَانُ عَلَيْهِ الرشوة يَحْرُمُ عَلَيْهِ بَذْلُهَا كَمَا حَرُمَ عَلَى الْمَبْذُولِ لَهُ أَخْذُهَا ، وَوَجَبَ رَدُّ الرِّشْوَةِ عَلَى بَاذِلِهَا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُوضَعَ فِي بَيْتِ الْمَالِ الرشوة . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُهْدِيَ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ مِنْ ذِي نَسَبٍ أَوْ مَوَدَّةٍ فَهَذِهِ هَدِيَّةٌ ، وَلَيْسَتْ بِرِشْوَةٍ . وَهِيَ ثَلَاثَةُ ضُرُوبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ بِقَدْرِ مَا كَانَتْ قَبْلَ الْوِلَايَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ عَرَضَتْ ، فَيَجُوزُ لَهُ قَبُولُهَا لِانْتِفَاءِ الظِّنَّةِ عَنْهَا ، وَلِلْعُرْفِ الْجَارِي فِي التَّوَاصُلِ بِهَا . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَقْتَرِنَ بِحَاجَةٍ عَرَضَتْ لَهُ فَيَمْتَنِعُ مِنْ قَبُولِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهَا بَعْدَ الْحَاجَةِ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يُهْدِي إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَبَنًا فَيَقْبَلُهُ ، حَتَّى اقْتَرَضَ زَيْدٌ مَالًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَأَهْدَى اللَّبَنَ ، فَرَدَّهُ عُمَرُ ، فَقَالَ زَيْدٌ: لِمَ رَدَدْتَهُ ؟ فَقَالَ: لِأَنَّكَ اقْتَرَضْتَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَالًا ، فَقَالَ زَيْدٌ: لَا حَاجَةَ لِي فِي مَالٍ يَقْطَعُ الْوَصْلَةَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ، فَرَدَّ الْمَالَ وَأَهْدَى اللَّبَنَ فَقَبِلَهُ مِنْهُ . وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَزِيدَ فِي هَدِيَّتِهِ عَلَى قَدْرِ الْعَادَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، فَيُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الْهَدِيَّةِ جَازَ قَبُولُهَا لِدُخُولِهَا فِي الْمَأْلُوفِ وَإِنْ كَانَتِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْهَدِيَّةِ مَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا لِخُرُوجِهَا عَنِ الْمَأْلُوفِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُهْدِيَ إِلَيْهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ يُهَادِيهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُهْدِيَ إِلَيْهِ مَنْ يَخْطُبُ مِنْهُ الْوِلَايَةَ عَلَى عَمَلٍ يُقَلِّدُهُ ، فَهَذِهِ رِشْوَةٌ تَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ الْهَدَايَا ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُهَا ، سَوَاءٌ كَانَ خَاطِبُ الْوِلَايَةِ مُسْتَحِقًّا لَهَا ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ وَعَلَيْهِ رَدُّهَا ، وَيَحْرُمُ عَلَى بَاذِلِهَا إِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِلْوِلَايَةِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت