خُلَفَائِهِ وَإِنْ سَمَّاهُ لِلْقَضَاءِ شَارَكَهُ فِيهِ خُلَفَاؤُهُ ، بِحَسَبِ كِفَايَاتِهِمْ فِي النَّظَرِ وَكَثْرَةِ الْعَمَلِ ، فَإِنْ عَزَلَ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ وَقَامَ بِعَمَلِهِ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ رِزْقَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَهُ .
فَصْلٌ: وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنْهَاهُ الْإِمَامُ فِي التَّقْلِيدِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ينهى القاضي عن استخلاف غيره ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ، سَوَاءٌ قَلَّ عَمَلُهُ أَوْ كَثُرَ ، لَكِنَّهُ إِنْ قَلَّ عَمَلُهُ بَاشَرَ الْحُكْمَ فِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ، لِأَجْلِ الْمَنْعِ مِنْهُ ، فَإِنِ اسْتَخْلَفَ فَلَا وِلَايَةَ لِخَلِيفَتِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْدِيَ خَصْمًا . فَإِنْ حَكَمَ بَيْنَ خَصْمَيْنِ تَرَافَعَا إِلَيْهِ كَانَ كَالْحُكْمِ مِنَ الرَّعَايَا فِي جَوَازِ حُكْمِهِ . وَفِي لُزُومِهِ قَوْلَانِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي حُكْمِ الْمُحَكَّمِ . وَإِنْ كَثُرَ عَمَلُهُ لَزِمَهُ إِعْلَامُ الْإِمَامِ بِعَجْزِهِ عَنِ النَّظَرِ فِي جَمِيعِهِ ، لِيَكُونَ الْإِمَامُ بَعْدُ بَيْنَ خِيَارَيْنِ إِمَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ ، أَوْ يَقْتَصِرَ بِهِ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ وَالنَّظَرِ فِيهِ ، وَيَصْرِفُهُ عَمَّا عَدَاهُ . وَلَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى حَالِهِ . وَأَوْلَى الْأَمْرَيْنِ بِالْإِمَامِ صَرْفُهُ عَنِ الزِّيَادَةِ لِيَكُونَ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلِاخْتِيَارِ ، وَلَا يَرُدُّ الِاخْتِيَارَ إِلَى غَيْرِهِ ، لِيَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ صِحَّةِ الِاخْتِيَارِ . فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْإِمَامُ أَوْ أَعْلَمَهُ ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَكَثْرَةُ عَمَلِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِصْرًا كَثِيرَ السَّوَادِ كَالْبَصْرَةِ فَيَكُونُ نَظَرُهُ مُخْتَصًّا بِالْبَلَدِ ، اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ ، وَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ سَوَادِهِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْهِ ، فَإِنِ اسْتَعْدَى إِلَيْهِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ ، فَإِنْ كَانَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ مَسَافَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَزِمَهُ إِحْضَارُهُ ، لِخُرُوجِهِ عَنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَصَارَ كَالْحَاضِرِ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَأَكْثَرَ فَفِي وُجُوبِ إِحْضَارِهِ وَجْهَانِ مَضَيَا . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى مِصْرَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ كَالْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي النَّظَرِ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ لِاشْتِمَالِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمَا . فَإِذَا نُظِرَ فِي أَحَدِهِمَا فَفِي انْعِزَالِهِ عَنِ الْآخَرِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدِ انْعَزَلَ عَنْهُ لِتَعَذُّرِ حُكْمِهِ فِيهِ بِالْعَجْزِ ، فَصَارَ كَتَعَذُّرِ حُكْمِهِ بِآفَةٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ عَنْهُ ، وَيَكُونُ بَاقِيَ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ لِصِحَّةِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِمَا مَعَ الْعَجْزِ عَنْهُمَا ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ .