وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ وَثِيقَةً ، وَلَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ عَقْدِهِ كَالْإِجَارَةِ ، وَالرَّهْنِ ، وَالْقِرَاضِ ، وَالْوَكَالَةِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِي وُجُوبِهَا فِيهِ الشهادة ، وَهُوَ عُقُودُ الْبِيَاعَاتِ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْبَيْعِ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَدَاوُدُ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ: إِنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْبَيْعِ وَاجِبَةٌ . اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [ الْبَقَرَةِ: ] وَهَذَا أَمْرٌ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمُ: رَجُلٌ آتَى السَّفِيهَ مَالَهُ ، فَهُوَ يَدْعُو عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [ النِّسَاءِ: ] . وَرَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ ، فَهُوَ يَدْعُو عَلَيْهَا لِلْخَلَاصِ مِنْهَا وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ طَلَاقَهَا ، وَرَجُلٌ بَاعَ بَيْعًا فَلَمْ يُشْهِدْ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [ الْبَقَرَةِ: ] ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الشَّهَادَةِ فِي الْبَيْعِ . وَدَلِيلُنَا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [ الْبَقَرَةِ: ] . وَالدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا فِي الْبُيُوعِ ، وَالْكِتَابُ يَكُونُ لِلشَّهَادَةِ ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [ الْبَقَرَةِ: ] . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْبَيْعِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْإِرْشَادِ وَالِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْحَتْمِ وَالْوُجُوبِ . وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: تَخَلَّفْتُ عَنِ النَّاسِ فِي السَّيْرِ ، فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:"بِعْنِي جَمَلَكَ وَأَسْتَثْنِي لَكَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: فَبِعْتُهُ مِنْهُ"فَدَلَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُشْهِدْ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَ مِنْ أَعْرَابِيٍّ شَيْئًا ، فَاسْتَتْبَعَهُ لِيَقْضِيَهُ الثَّمَنَ ، فَلَمَّا رَآهُ الْمُشْرِكُونَ ، فَطَفِقُوا ، وَطَلَبُوهُ بِأَكْثَرَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"قَدِ ابْتَعْتُهُ فَجَحَدَهُ الْأَعْرَابِيُّ ، فَقَالَ: مَنْ يَشْهَدُ لِي ، فَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَا أَشْهَدُ لَكَ . قَالَ: بِمَ تَشْهَدُ ، وَلَمْ تَحْضُرْ ، فَقَالَ: نُصَدِّقُكَ عَلَى أَخْبَارِ السَّمَاءِ وَلَا نُصَدِّقُكَ عَلَى أَخْبَارِ الْأَرْضِ ؟ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَا