وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ فِي آيَةِ الْحِرَابَةِ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ الْمَائِدَةِ: ] . اسْتِثْنَاءٌ يَعُودُ إِلَى مَا قَبْلَهُ ، وَإِنْ كَانَ مَا بَعْدَهُ مُنْقَطِعًا ، لِأَنَّهُ صِفَةٌ ، كَذَلِكَ صِفَةُ هَذَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ . وَالِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ: أَنْ قَالُوا: رَدُّ الشَّهَادَةِ حُكْمٌ ، وَالْفِسْقُ تَسْمِيَةٌ ، وَالْخِطَابُ إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى حُكْمٍ وَتَسْمِيَةٍ وَتَعَقَّبَهَا اسْتِثْنَاءٌ يَعُودُ إِلَى التَّسْمِيَةِ دُونَ الْحُكْمِ ، كَقَوْلِهِ: أَعْطِ زَيْدًا وَعَمْرًا الْفَاسِقَ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ يَعْنِي فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فَاسِقًا ، وَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفِسْقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ حُكْمَانِ ، فَلَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ مَا ادَّعَوْا . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ جَازَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، لَكَانَ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالتَّوْبَةِ إِلَى الْحُكْمِ أَوْلَى مِنْ عُودِهِ إِلَى الِاسْمِ ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ تُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ وَلَا تُغَيِّرُ الْأَسْمَاءَ ، ثُمَّ تَدُلُّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ [ الشُّورَى: ] ، فَأَخْبَرَ أَنَّ التَّوْبَةَ تُوجِبُ الْقَبُولَ وَالْعَفْوَ ، وَهُمْ حَمَلُوهَا عَلَى الْقَبُولِ دُونَ الْعَفْوِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمُ الشَّعْبِيُّ: يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُ وَلَا تَقْبَلُونَ شَهَادَتَهُ ؟ ثُمَّ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا"أَيْ: تَقْطَعُهُ ، وَتَرْفَعُهُ ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ دُونَ الْخُصُوصُ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، وَهُوَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ فِي شَهَادَتِهِ عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَى ، قَالَ لَهُ: تُبْ أَقْبَلْ شَهَادَتَكَ ، فَقَالَ: لَا أَتُوبُ ، وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ بِمَشْهَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: لِأَنَّهَا قِصَّةٌ اجْتَمَعُوا لَهَا ، فَمَا أَنْكَرَ قَوْلَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، فَدَلَّ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ . وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِبَارِ: أَنَّ الشَّهَادَةَ إِذَا رُدَّتْ بِفِسْقٍ قُبِلَتْ بِزَوَالِ الْفِسْقِ ؟ قِيَاسًا عَلَى جَمِيعِ مَا يُفَسَّقُ بِهِ . وَلِأَنَّ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْحَدِّ ، قُبِلَتْ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ الْحَدِّ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْحُدُودِ . وَلِأَنَّهُ مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ مِنْ بَعْدِ التَّوْبَةِ ، قِيَاسًا عَلَى الذِّمِّيِّ إِذَا حُدَّ فِي قَذْفٍ ثُمَّ أَسْلَمَ . وَلِأَنَّ فِعْلَ الزِّنَى أَغْلَظُ مِنَ الْقَذْفِ بِالزِّنَى لِتَرَدُّدِ الْقَذْفِ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ ، فَلَمَّا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بِالتَّوْبَةِ مِنْ أَغْلَظِ الْإِثْمَيْنِ قَبْلَ الْحَدِّ وَبَعْدَهُ كَانَ قَبُولُهُ بِالتَّوْبَةِ مَنْ أَخَفِّهِمَا قَبْلَ الْحَدِّ وَبَعْدَهُ أَوْلَى . وَلِأَنَّهُ لَمَّا عَادَ إِلَى الْعَدَالَةِ فِي قَبُولِ رِوَايَتِهِ وَجَبَ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهَا فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ ،