أَحَدُهُمَا: النَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ من شُرُوطَ التَّوْبَةِ ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ مِثْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ من شُرُوطَ التَّوْبَةِ ، فَتَصِحُّ تَوْبَتُهُ بِهِمَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [ آلِ عِمْرَانَ: ، ] . قَوْلُهُ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ يُرِيدُ بِهِ النَّدَمَ ، لِأَنَّ ظُهُورَهُ يَكُونُ بِالِاسْتِغْفَارِ ، وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ بَعْدِ وَقَبْلَ تَوْبَتِهِ بِالِاسْتِغْفَارِ ، وَتَرْكُ الْإِصْرَارِ ، لِأَنَّهَا تَوْبَةٌ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ، وَهِيَ فِي الْبَاطِنِ النَّدَمُ عَلَيْهِ وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ مِثْلِهِ ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الذَّنْبُ بَاطِنًا أَقْنَعَ فِيهِ التَّوْبَةُ الْبَاطِنَةُ ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا أَقْنَعَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْبَةُ الْبَاطِنَةُ ، وَلَمْ يُقْنِعْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ إِلَّا التَّوْبَةُ الظَّاهِرَةُ ، فَإِنْ تَجَاوَزَ مَأْثَمُ هَذَا الذَّنْبِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى أَنْ أَثِمَ بِهِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غُرِّمَ وَلَا حَدَّ ، كَمَنْ تَعَدَّى بِضَرْبِ إِنْسَانٍ فَآلَمَهُ التوبة احْتَاجَ مَعَ التَّوْبَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّدَمِ وَالْعَزْمِ إِلَى اسْتِحْلَالِ الْمَضْرُوبِ بِاسْتِطَابَةِ نَفْسِهِ ، لِيَزُولَ عَنْهُ الْإِثْمُ فِي حَقِّهِ ، فَإِنْ أَحَلَّهُ مِنْهُ عَفْوًا وَإِلَّا مَكَّنَهُ مِنْ نَفْسِهِ لِيُقَاتِلَهُ عَلَى مِثْلِ فِعْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ قِصَاصٌ وَلَا غُرْمٌ ، لِأَنَّنَا نَعْتَبِرُ فِي الْقِصَاصِ الْمُمَاثَلَةَ ، وَهِيَ هَاهُنَا مُتَعَذِّرَةٌ ، وَيُعْتَبَرُ فِي التَّوْبَةِ: الِانْقِيَادُ ، وَالطَّاعَةُ ، وَهِيَ هَاهُنَا مَوْجُودَةٌ ، وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، نَهَى الرِّجَالَ أَنْ يَطُوفُوا مَعَ النِّسَاءِ ، فَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي مَعَ النِّسَاءِ ، فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتُ أَحْسَنْتُ لَقَدْ ظَلَمْتَنِي ، وَإِنْ كُنْتُ أَسَأْتُ فَمَا أَعْلَمْتَنِي ، فَقَالَ عُمَرُ عدله وانصافه من نفسه: أَمَا شَهِدْتَ عَزْمَتِي ؟ قَالَ: مَا شَهِدْتُ لَكَ عَزْمَةً ، فَأَلْقَى إِلَيْهِ الدِّرَّةَ ، وَقَالَ: اقْتَصَّ قَالَ: لَا أَقْتَصُّ الْيَوْمَ ، قَالَ: فَاعْفُ قَالَ: لَا أَعْفُو ، فَافْتَرَقَا عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ لَقِيَهُ مِنَ الْغَدِ ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرَى مَا كَانَ مِنِّي قَدْ أَسْرَعَ فِيكَ ، قَالَ: أَجَلْ قَالَ: فَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ . فَبَذَلَ لَهُ الْقِصَاصَ مِنَ الضَّرْبِ وَإِنْ لَمْ يُجِبْ لِيَزُولَ عَنْهُ مَأْثَمُ الْخَطَأِ فِي حَقِّهِ ، وَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ فِي حَقِّ اللَّهِ عَفْوًا ، فَإِنْ قَادَ نَفْسَهُ ، فَلَمْ يَسْتَوْفِ مِنْهُ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ ، لِأَنَّ عَلَيْهِ الِانْقِيَادَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءُ .
فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ مَعْصِيَةً يَتَعَلَّقُ بِهَا مَعَ الْإِثْمِ حَقٌّ ، فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ فِعْلٍ وَقَوْلٍ ، فَأَمَّا الْفِعْلُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ الْحَقُّ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ مُخْتَصًّا بِالْآدَمِيِّينَ شروط التوبة كَالْغُصُوبِ وَالْقَتْلِ ، فَصِحَّةُ تَوْبَتِهِ مِنْهُ مُعْتَبَرَةٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: بِالنَّدَمِ عَلَى فِعْلِهِ . وَالثَّانِي: بِالْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ مِثْلِهِ .