بَابُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ مِنَ الْقِيَامِ بِالشَّهَادَةِ إِذَا دُعِيَ لِيَشْهَدَ أَوْ يَكْتُبَ مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالَّذِي أَحْفَظُ عَنْ كُلِّ مَنْ سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الشَّاهِدِ قَدْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ وَأَنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى وَالِدِهِ ، وَوَلَدِهِ ، وَالْقَرِيبِ ، وَالْبَعِيدِ لَا تُكْتَمُ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُحَابَى بِهَا أَحَدٌ وَلَا يُمْنَعَهَا أَحَدٌ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الشَّهَادَةَ وَثِيقَةٌ تَتِمُّ بِالتَّحَمُّلِ وَتُسْتَوْفَى بِالْأَدَاءِ فَصَارَتْ جَامِعَةً لِلتَّحَمُّلِ فِي الِابْتِدَاءِ وَالْأَدَاءِ فِي الِانْتِهَاءِ ، وَالشَّاهِدُ مَأْمُورٌ بِهَا فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [ الْبَقَرَةِ: ] . وَفِيهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: إِذَا دُعُوا لِتَحَمُّلِهَا وَإِثْبَاتِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالرَّبِيعِ . وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: إِذَا دُعُوا لِإِقَامَتِهَا وَأَدَائِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ . وَالتَّأْوِيلُ الثَّالِثُ: إِذَا دُعُوا لِلتَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ جَمِيعًا ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَذَا الْأَمْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَدْبٌ ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَعَطِيَّةَ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ . فَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ فَهُمَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ ، إِنْ كَثُرَ مَنْ يَتَحَمَّلُ وَيُؤَدِّي كَالْجِهَادِ ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ ، وَهُمَا مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ ، إِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمَا فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ ، وَقَدْ يَكُونُ فَرْضُ التَّحَمُّلِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَفَرْضُ الْأَدَاءِ عَلَى الْأَعْيَانِ ، إِذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ فِي التَّحَمُّلِ وَقَلَّ عَدَدُهُمْ فِي الْأَدَاءِ ،"