فهرس الكتاب

الصفحة 7761 من 8432

الْمُسْلِمِ ، وَلِأَنَّ الْكَذِبَ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ ، وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى عِبَادِهِ ، ثُمَّ كَانَتْ شَهَادَةٌ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَرْدُودَةً ، وَالْكَافِرُ الْكَاذِبُ عَلَى اللَّهِ أَوْلَى أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى كَذِبَهُمْ فَقَالَ: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [ الْمَائِدَةِ: ] . وَقَالَ تَعَالَى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ آلِ عِمْرَانَ: ] . وَيَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ كَانَ مَوْسُومًا بِالْكَذِبِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ كَالْمُسْلِمِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْكَذِبَ إِذَا رُدَّتْ بِهِ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِ ، فَأَوْلَى أَنْ تُرَدَّ بِهِ شَهَادَةُ الْكَافِرِ ، كَالْكَذِبِ عَلَى النَّاسِ ، وَلِأَنَّ نَقْصَ الْكُفْرِ أَغْلَظُ مِنْ نَقْصِ الرِّقِّ ، لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ نَقْصَ الْكَفْرِ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْهَا نَقْصُ الرِّقِّ . وَالثَّانِي: أَنَّ نَقْصَ الْكَفْرِ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الْخَبَرِ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ نَقْصُ الرِّقِّ ، ثُمَّ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِنَا وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ نَقْصَ الرِّقِّ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ مِنْ قَبُولِهَا - نَقْصُ الْكَفْرِ ، وَلِهَذِهِ الْمَعَانِي مَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ اعْتِبَارًا بِنَقْصِ الْكَفْرِ ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ . وَيَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا شَهَادَةٌ يَمْنَعُ مِنْهَا الرِّقُّ ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهَا الْكُفْرُ ، قِيَاسًا عَلَى شَهَادَةِ الْوَثَنِيِّ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا شَهَادَةٌ يَمْنَعُ مِنْهَا كُفْرُ الْوَثَنِيِّ ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهَا كُفْرُ الْكِتَابِيِّ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ . فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِالْآيَةِ فَسَنَذْكُرُ مِنِ اخْتِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَفْسِيرِهَا مَا يَتَكَافَأُ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ [ الْمَائِدَةِ: ] ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا الشَّهَادَةُ بِالْحُقُوقِ عِنْدَ الْحُكَّامِ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا شَهَادَةُ الْحُضُورِ لِلْوَصِيَّةِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا أَيْمَانٌ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ ، أَيْمَانُ بَيْنِكُمْ ، فَعَبَّرَ عَنِ الْيَمِينِ بِالشَّهَادَةِ ، كَمَا قَالَ فِي أَيْمَانِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ [ النُّورِ: ] ، فَلَا يَكُونُ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا دَلِيلٌ إِلَّا عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ ، وَيَمْنَعُهُ التَّأْوِيلَانِ الْآخَرَانِ مِنْهُمَا ، وَلَا يَكُونُ لِدَاوُدَ فِيهَا دَلِيلٌ إِلَّا عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي ، وَيَمْنَعُهُ التَّأْوِيلَانِ الْآخَرَانِ فِيهِمَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت