فهرس الكتاب

الصفحة 7825 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى فِي صِفَةِ الْيَمِينِ ، لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلزَّجْرِ ، فَعَدَلَ بِهَا عَنْ مَعْهُودِ الْأَيْمَانِ ، فِيمَا يُكْثِرُونَهُ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا ، وَأَمْنَعُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا . وَأَوْلَى الْأَيْمَانِ الزَّاجِرَةِ - مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ، أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنَ الْعَلَانِيَةِ ، وَقَالَ فِي الْأُمِّ: الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ، وَمَا تُخْفِي الصُّدُورَ ، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى ، لِأَنَّ نَسَقَهَا إِلَى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ تَضَمَّنَهَا الْقُرْآنُ ، وَقَوْلُهُ:"الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ"، تَنْبِيهًا لِلْحَالِفِ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ بِصِدْقِهِ ، وَكَذِبِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي إِحْلَافِهِ مِمَّا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْحُكَّامِ: بِاللَّهِ الطَّالِبِ الْغَالِبِ ، الضَّارِّ النَّافِعِ الْمُدْرِكِ ، الْمُهْلِكِ ، جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَسَقِ تِلَاوَتِهَا فِي الْقُرْآنِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْبِيهِ الْحَالِفِ عَلَى اسْتِدْفَاعِ مَضَارِّهِ ، وَاجْتِلَابِ مَنَافِعِهِ ، وَمِنْ زَجْرِ الْحَالِفِ - أَنْ يَعِظَهُ الْحَاكِمُ قَبْلَ إِحْلَافِهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [ آلِ عِمْرَانَ: ] . وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ حَلَفَ يَمِينًا كَاذِبَةً ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ إِلَى الْحَاكِمِ ، فَهَمَّ بِالْيَمِينِ ، فَلَمَّا وَعَظَهُ بِهَذَا امْتَنَعَ وَأَقَرَّ ، وَقَالَ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ الْحَالِفَ يَسْتَحِقُّ هَذَا الْوَعِيدَ . فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى إِحْلَافِهِ بِاللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ ، كَقَوْلِهِ: وَعِزَّةِ اللَّهِ ، وَعَظَمَةِ اللَّهِ ، جَازَ . قَدِ اقْتَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْلَافِ رُكَانَةَ عَلَى أَنْ أَحْلَفَهُ بِاللَّهِ ، لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْمَائِهِ ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُهُ الْأَعْظَمُ ، وَقِيلَ: فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [ مَرْيَمَ: ] . أَيْ: مَنْ يَتَسَمَّى بِاللَّهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ، وَإِنْ تَسَمُّوا بِغَيْرِهِ مِنْ أَسْمَائِهِ . وَشَذَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، فَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ إِحْلَافُهُ بِاللَّهِ ، حَتَّى يُغَلِّظَهَا بِمَا وَصَفْنَا ، لِيَخْرُجَ بِهَا عَنْ عَادَتِهِ ، وَيُعِيدَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مُغَلَّظَةً . فَأَمَّا إِحْلَافُهُ بِالْمُصْحَفِ ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَقَدْ حَكَى الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَحْلِفُ عَلَى الْمُصْحَفِ ، قَالَ: وَرَأَيْتُ مُطَرِّفًا بِضْعًا يَحْلِفُ عَلَى الْمُصْحَفِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت