احْتِجَاجًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [ الرُّومِ: ] . وَذَلِكَ مِنْ مُوجِبَاتِ الِارْتِيَابِ وَالتُّهْمَةِ . وَقَالُوا: وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لَا يَحْجُبُ مِنَ الْإِرْثِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنَ الشَّهَادَةِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ . قَالُوا: وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ يُسْتَحَقُّ بِنَسَبٍ وَسَبَبٍ ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْأَنْسَابِ مَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَسْبَابِ مَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ . وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ مَا يُورِثُ بِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ كَالنَّسَبِ . قَالُوا: وَلِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا فِي الْمَقَامِ وَالظَّعْنِ ، وَامْتِزَاجَهُمَا فِي الضِّيقِ وَالسَّعَةِ ، وَاخْتِصَاصَهُمَا بِالْمَيْلِ وَالْمَحَبَّةِ ، قَدْ جَمَعَ مِنْ أَسْبَابِ الِارْتِيَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ تُرَدَّ بِهِ الشَّهَادَةُ . وَدَلِيلُنَا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [ الْبَقَرَةِ: ] . فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى عُمُومِهِ . وَرَوَى مَجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ سُوِيدِ بْنِ غَفْلَةَ ، أَنَّ يَهُودِيًّا كَانَ يَسُوقُ امْرَأَةً عَلَى حِمَارٍ فَنَخَسَهَا فَرَمَى بِهَا ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ زَوْجُهَا وَأَخُوهَا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا . وَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ . وَقَالَ سُوِيدُ بْنُ غَفْلَةَ: إِنَّهُ لَأَوَّلُ مَصْلُوبٍ صُلِبَ بِالشَّامِ . وَلَيْسَ لِعُمَرَ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ مَعَ انْتِشَارِ الْقِصَّةِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ لَا مُخَالِفَ لَهُ وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا صِلَةً لَا تُوجِبُ الْعِتْقَ ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ ، كَالْعَشِيرَةِ وَلِأَنَّهَا حُرْمَةٌ حَدَثَتْ عَنْ صِلَةٍ ، فَلَمْ تَمْنَعْ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ ، لِآبَاءِ الزَّوْجَيْنِ وَأَبْنَائِهِمَا ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ رَدَّ الشَّهَادَةِ كَالْإِجَارَةِ . وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ كَالْبَيْعِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً فَهُوَ أَنَّ الْمَوَدَّةَ لَا تُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ كَالْأَخَوَيْنِ ، وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ بَيْنَهُمَا تَبَاغُضٌ وَعَدَاوَةٌ تَزِيدُ عَلَى الْأَجَانِبِ ، فَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَعْنَى عِلَّةً فِي الْمَنْعِ ، لَفُرِّقَ بَيْنَ الْمُتَحَابِّينَ وَالْمُتَبَاغِضِينَ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، فَبَطَلَ التَّعْلِيلُ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَعْلِيلِهِمْ بِعَدَمِ الْحَجْبِ عَنِ الْمِيرَاثِ ، قِيَاسًا عَلَى الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ ، فَلَيْسَ عَدَمُ الْحَجْبِ عَنِ الْمِيرَاثِ عِلَّةً فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ ، لِأَنَّنَا نَرُدُّ شَهَادَةَ مَنْ لَا يَرِثُ مِنَ