فهرس الكتاب

الصفحة 7890 من 8432

وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَخُصُّ الْعَوْدَ مِنْ بَيْنِهَا وَلَا يُحَرِّمُهُ ، لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى حَرَكَاتٍ نَفْسَانِيَّةٍ تَنْفِي الْهَمَّ ، وَتُقَوِّي الْهِمَّةَ وَتَزِيدُ فِي النَّشَاطِ . وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْمَلَاهِي طَرَبًا ، وَأَشْغَلُهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنِ الصَّلَاةِ ، وَإِنْ تَمَيَّزَ بِهِ الْأَمَاثِلُ عَنِ الْأَرَاذِلِ . وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ من الملاهي: فَمَا زَادَ بِهِ الْغِنَاءُ طَرَبًا ، وَلَمْ يَكُنْ بِانْفِرَادِهِ مُطْرِبًا ، كَالْفُسَحِ ، وَالْقَضِيبِ ، فَيُكْرَهُ مَعَ الْغِنَاءِ لِزِيَادَةِ إِطْرَابِهِ ، وَلَا يُكْرَهُ إِذَا انْفَرَدَ لِعَدَمِ إِطْرَابِهِ . وَأَمَّا الْمُبَاحُ من الملاهي: فَمَا خَرَجَ عَنْ آلَةِ الْإِطْرَابِ ، إِمَّا إِلَى إِنْذَارٍ كَالْبُوقِ ، وَطَبْلِ الْحَرْبِ . أَوْ لِمَجْمَعٍ وَإِعْلَانٍ كَالدُّفِّ فِي النِّكَاحِ ، كَمَا قَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ:"أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ". وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ ضَرْبُ الدُّفِّ عَلَى النِّكَاحِ عَامٌّ فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ وَالْأَزْمَانِ ؟ فَعَمَّ بَعْضُهُمْ لِإِطْلَاقِهِ ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ فِي الْبُلْدَانِ الَّتِي لَا يَتَنَاكَرُ أَهْلُهَا فِي الْمَنَاكِحِ ، كَالْقُرَى وَالْبَوَادِي ، وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهَا ، فِي مِثْلِ زَمَانِنَا ، لِأَنَّهُ قَدْ عُدِلَ بِهِ إِلَى السَّخَفِ وَالسَّفَاهَةِ . فَأَمَّا الشَّبَّابَةُ: فَهِيَ فِي الْأَمْصَارِ مَكْرُوهَةٌ ، لِأَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهَا لِلسُّخْفِ وَالسَّفَاهَةِ ، وَهِيَ فِي الْأَسْفَارِ وَالرُّعَاةِ مُبَاحَةٌ ، لِأَنَّهَا تَحُثُّ عَلَى السَّيْرِ وَتَجْمَعُ الْبَهَائِمَ إِذَا سَرَحَتْ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَحْكَامُ الْأَغَانِي وَالْمَلَاهِي ، فَإِنْ قِيلَ بِتَحْرِيمِهَا فَهِيَ مِنَ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ ، يُفْتَقَرُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ ، وَلَا تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ إِلَّا مَعَ الْإِصْرَارِ . وَإِنْ قِيلَ بِكَرَاهَتِهَا ، فَهِيَ مِنَ الْخَلَاعَةِ لَا يُفْتَقَرُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ وَلَا تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ إِلَّا مَعَ الْإِصْرَارِ ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالْكَلَامُ فِيهَا يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: فِيمَنْ بَاشَرَهَا بِنَفْسِهِ . وَالثَّانِي: فِيمَنْ يَسْتَعْمِلُهَا لِلَهْوِهِ وَالثَّالِثُ: فِيمَنْ يَغْشَى أَهْلَهَا . فَأَمَّا الْمُبَاشِرُ لَهَا بِنَفْسِهِ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَصِيرَ مَنْسُوبًا إِلَيْهَا وَمُسَمًّى بِهَا ، يُقَالُ إِنَّهُ مُغَنِّي يَأْخُذُ عَلَى غِنَائِهِ أَجْرًا ، يَدْعُوهُ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ أَوْ يَغْشَوْنَهُ لِذَلِكَ فِي دَارِهِ ، فَهَذَا سَفِيهٌ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ المغني ، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَرَّضَ لِأَخْبَثِ الْمَكَاسِبِ وَنُسِبَ إِلَى أَقْبَحِ الْأَسْمَاءِ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُغَنِّيَ لِنَفْسِهِ إِذَا خَلَا فِي دَارِهِ بِالْيَسِيرِ اسْتِرْوَاحًا فَهَذَا مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا خَلَا فِي دَارِهِ يَتَرَنَّمُ بِالْبَيْتِ وَالْبَيْتَيْنِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت