أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ . وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَحْمُولَانِ عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّ ثُبُوتَ الْحَقِّ ، هَلْ يَكُونُ بِشُهُودِ الْأَصْلِ أَوْ بِشُهُودِ الْفَرْعِ ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَثْبُتُ بِشُهُودِ الْأَصْلِ ، وَيَتَحَمَّلُهُ عَنْهُمْ شُهُودُ الْفَرْعِ ، لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ شَرْطُ الشَّهَادَةِ إِذَا كَانَ مِمَّا يُعَايَنُ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ دُونَ شُهُودِ الْفَرْعِ وَيَتَحَمَّلُهُ عَنْهُمْ شُهُودُ الْفَرْعِ ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَا الْفَرْعِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ بِشُهُودِ الْفَرْعِ ، وَهُمْ يَتَحَمَّلُونَ الشَّهَادَةَ عَنْ شُهُودِ الْأَصْلِ ، لِجَوَازِ شَهَادَتِهِمْ بَعْدَ مَوْتِ شُهُودِ الْأَصْلِ ، فَعَلَى هَذَا إِذَا تَحَمَّلَ شَاهِدَا الْفَرْعِ عَنْ أَحَدِ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَتَحَمَّلَا عَنِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ . وَوَهِمَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ ، فَعَكَسَهُ ، وَجَعَلَ ثُبُوتَ الْحَقِّ بِشُهُودِ الْأَصْلِ مَانِعًا مِنْ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدُ الْفَرْعِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ ، وَجَعَلَ ثُبُوتَهُ بِشُهُودِ الْأَصْلِ ، تَجَوَّزَ أَنْ يَشْهَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ . وَهَذَا عَكْسُ الصَّوَابِ ، لِأَنَّ الْحَقَّ إِذَا ثَبَتَ بِشُهُودِ الْأَصْلِ ، فَهُوَ تَحْمُّلٌ بِحَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ ، وَيَجُوزُ ثُبُوتُهُ بِشَاهِدَيْنِ ، فَإِذَا بِشُهُودِ الْفَرْعِ فَهُوَ تَحْمُّلٌ لِلشَّهَادَةِ بِشَاهِدَيْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَحَمَّلَاهَا عَنْهُمَا ، لِأَنَّهُمَا يَصِيرَانِ فِيهَا كَأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْوَهْمِ ، وَفَرَّقَ مَا بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ . ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَوْجِيهِ الْقَوْلَيْنِ فِي غَيْرِ الْمَسْأَلَةِ ، أَنَّهُ إِنْ قِيلَ: يَجُوزُ لِشَاهِدَيِ الْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ فَدَلِيلُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى شَخْصَيْنِ فَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَيْهَا فِي حَقِّ وَاحِدٍ ، كَمَا جَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَيْهَا فِي حَقَّيْنِ . وَالثَّانِي: أَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَيْهَا فِي الْحَقِّ الْوَاحِدِ أَوْكَدُ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهَا فِي حَقَّيْنِ ؟ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِّ الْوَاحِدِ مُوَافِقٌ وَفِي الْحَقَّيْنِ غَيْرُ مُوَافِقٍ . وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِشَاهِدَيِ الْفَرْعِ إِذَا شَهِدَا عَلَى أَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَشْهَدَا عَلَى الْآخَرِ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا ، فَدَلِيلُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا قَدْ قَامَا فِي التَّحَمُّلِ عَنْ أَحَدِهِمَا مَقَامَ شَاهِدٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ الْحَقُّ ، فَإِذَا شَهِدَا فِيهِ عَلَى الشَّاهِدِ الْآخَرِ صَارَا كَالشَّاهِدِ إِذَا شَهِدَا بِذَلِكَ الْحَقِّ مَرَّتَيْنِ ، وَلَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ بِهَذَا كَذَلِكَ بِالشَّاهِدَيْنِ .