فهرس الكتاب

الصفحة 7941 من 8432

وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَدَالَةَ أَصْلٌ ، وَالْفِسْقَ حَادِثٌ ، وَالْحَادِثُ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ ، وَالْمَعْدُومُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ ، كَمَنْ قَالَ: هَذَا الْمَاءُ طَاهِرٌ ، لَمْ يُسْتَفْسَرْ عَنْ طَهَارَتِهِ ، وَلَوْ قَالَ: هُوَ نَجِسٌ ، اسْتُفْسِرَ عَنْ نَجَاسَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَلَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَهَالَةِ بِحَدٍّ لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِأَنْ يَقُولَ لَعَلَّهُ لَمْ يَسْرِقْ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْحُقُوقُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، فَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُعَرِّضَ لِلْمُقِرِّ بِالْإِنْكَارِ ، وَلَا يَعْرِّضَ لِلشُّهُودِ بِالتَّوَقُّفِ ، سَوَاءً كَانَ الْحَقُّ فِي مَالٍ أَوْ حَدٍّ ، لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْحِفْظِ وَالِاحْتِيَاطِ ، وَلِأَنَّ الْمُقِرَّ بِهَا لَوْ أَنْكَرَهَا لَمْ يُقْبَلْ إِنْكَارُهُ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ ، كَالْحَدِّ فِي الزِّنَا وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ ، وَالْجَلَدِ فِي الْخَمْرِ ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ إِنْ أَقَرَّ ، فَيُمْسِكُ الْحَاكِمُ عَنِ التَّعْرِيضِ لَهُ بِالْإِنْكَارِ ، حَتَّى يَبْتَدِئَ فَيُقِرُّ أَوْ يُنْكِرُ ، لِأَنَّ التَّعْرِيضَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا عِلْمًا بِوُجُوبِ الْحَدِّ إِنْ أَقَرَّ وَسُقُوطِهِ إِنْ أَنْكَرَ . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَهَالَةِ بِوُجُوبِ الْحَدِّ ، إِمَّا لِأَنَّهُ أَسْلَمُ قَرِيبًا ، أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ أَهَلَّ بَادِيَةٍ نَائِيَةٍ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ ، فَيَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُعَرِّضَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْإِنْكَارِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ ، فَإِنْ كَانَ فِي الزِّنَا قَالَ لَهُ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ ، أَوْ لَمَسْتَ كَمَا عَرَّضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لْمَاعِزٍ حِينَ أَقَرَّ بِالزِّنَا فَقَالَ:"لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ لَعَلَّكَ لَمَسْتَ". وَإِنْ كَانَ فِي حَدٍّ السَّرِقَةِ قَالَ: لَعَلَّكَ سَرَقْتَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ . فَإِنْ عَرَّضَ لَهُ بِأَنْ قَالَ: لَعَلَّكَ لَمْ تَسْرِقْ ، وَكَانَتِ الدَّعْوَى مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِهَذَا ، لِأَنَّ فِي تَعْرِيضِهِ بِهِ إِسْقَاطًا لِحَقِّهِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِ الْمَالِ ، جَازَ أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِهِ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَارِقٍ ، فَقَالَ لَهُ:"أَسَرَقْتَ أَمْ لَا"وَإِنْ كَانَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ قَالَ: لَعَلَّكَ لَمْ تَشْرَبْ ، أَوْ قَالَ: لَعَلَّكَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْكِرٌ أَوْ لَعَلَّكَ أُكْرِهْتَ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ . وَإِنَّمَا جَازَ التَّعْرِيضُ لِلْمُقِرِّ بِمَا يَتَنَبَّهُ بِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ ، لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَى السَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا ارْتَكَبَهُ ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرَ رَبَّهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ حَدَّ اللَّهِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت