فهرس الكتاب

الصفحة 798 من 8432

النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، اخْتَلَفُوا فِي الْقَصْرِ المدة التي يجوز فيها القصر عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا يَجُوزُ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَجُوزُ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمَيْنِ ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَحْدُودٌ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ حَدِّهِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّقَ الْقَصْرَ بِالسَّفَرِ ، وَمَنَعَ مِنْهُ فِي الْحَضَرِ ، فَكَانَ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لُحُوقُ الْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ ، وَعَدَمُهَا فِي الْحَضَرِ ، وَالسَّفَرُ الْقَصِيرُ لَا تَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ فِيهِ غَالِبًا ، فَاقْتَضَى أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ الْقَصْرُ ، فَأَمَّا عُمُومُ الْآيَةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى السَّفَرِ الْمَحْدُودِ بِدَلِيلِنَا . وَأَمَّا الْخَبَرُ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ سَفَرُهُ طَوِيلًا ، وَإِنَّمَا قَصَرَ فِي الْفَرْسَخِ الْأَوَّلِ لِيُعْلَمَ جَوَازُهُ قَبْلَ قَطْعِ الْمَسَافَةِ الْمَحْدُودَةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ غَيْرُهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِلرِّوَايَتَيْنِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ سَفَرَ الْقَصْرِ مَحْدُودٌ مدة السفر الذي تقصر فيه الصلاة فَحَدُّهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ ، وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا ، لِأَنَّ الْبَرِيدَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا: لِأَنَّ الْفَرْسَخَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ ، وَالْمِيلُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَدَمٍ ، وَذَلِكَ عَلَى سَيْرِ النَّقْلِ ، وَدَبِيبِ الْأَقْدَامِ مَسَافَةُ يَوْمٍ ، وَلَيْلَةٍ سَيْرًا مُتَّصِلًا ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمَعَانٍ مُتَّفِقَةٍ ، فَقَالَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا بِالْهَاشِمِيِّ ، يُرِيدُ إِذَا لَمْ يُعَدَّ الْمِيلُ فِي الِابْتِدَاءِ ، وَالْمِيلُ فِي الِانْتِهَاءِ . وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: أَرْبَعِينَ مِيلًا يُرِيدُ أَمْيَالَ بَنِي أُمَيَّةَ ، وَقَالَ فِي"الْإِمْلَاءِ"لَيْلَتَيْنِ قَاصِدَتَيْنِ يُرِيدُ سِوَى اللَّيْلَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا ، فَهَذَا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُ فَمَعَانِيهِ مُتَّفِقَةٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَقَاوِيلَ مُخْتَلِفَةٍ ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ مَرْحَلَتَانِ كُلُّ مَرْحَلَةٍ ثَمَانِيَةُ فَرَاسِخَ عَلَى غَالِبِ الْعَادَةِ فِي سَيْرِ النَّقْلِ وَدَبِيبِ الْأَقْدَامِ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَإِسْحَاقَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ وَهِيَ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ مَسْعُودٍ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَلَمَّا جَعَلَ الْمَحْرَمَ شَرْطًا فِي الثَّلَاثَةِ ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ شَرْطًا فِيمَا دُونَهَا عُلِمَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت