حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ، فَخَرَّجَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ قَوْلًا ثَانِيًا ، وَنَفَاهُ أَكْثَرُهُمْ عَنْهُ . وَحُكِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَقْسِمُ الشَّيْءَ الْمَشْهُودَ فِيهِ عَلَى عَدَدِ الْبَيِّنَتَيْنِ ، فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا شَاهِدَيْنِ وَالْأُخْرَى أَرْبَعَةٌ قَسَمْتُ الْمَشْهُودَ فِيهِ أَثْلَاثًا ، فَجَعَلْتُ لِصَاحِبِ الشَّاهِدَيْنِ سَهْمًا ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْبَعَةِ سَهْمَيْنِ . فَأَمَّا مَالِكٌ فَاسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَ الشَّيطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الْجَمَاعَةِ أَبْعَدُ"، وَلِأَنَّ النَّفْسَ إِلَى زِيَادَةِ الْعَدَدِ أَسْكَنُ ، وَبِقُوَّةِ الْعَدَالَةِ أَوْثَقُ ، وَلِذَلِكَ رُجِّحَتْ بِهَا أَخْبَارُ الرَّسُولِ ، إِذَا تَعَارَضَتْ ، فَوَجَبَ أَنْ تُرَجَّحَ بِهَا الشَّهَادَاتُ إِذَا تَعَارَضَتْ . وَأَمَّا الْأَوْزَاعِيُّ ، فَاسْتَدَلَّ لَهُ بِأَنَّ الْمَشْهُودَ فِيهِ مُسْتَحَقٌّ بِقَوْلِهِمْ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مُقَسَّطًا عَلَى عَدَدِهِمْ . وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى عَدَدِ الشَّهَادَةِ بِقَوْلِهِ: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ) [ الْبَقَرَةِ: ] . وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) [ الطَّلَاقِ: ] . فَمَنَعَ النَّصُّ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الزِّيَادَةِ ، وَالنُّقْصَانِ . وَلِأَنَّ لَمَّا جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ ، وَعَلَى قَبُولِ الْعَدْلِ مَعَ مَنْ هُوَ أَعْدَلُ ، دَلَّ عَلَى أَنْ لَا تَأْثِيرَ لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ ، وَزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ . وَلِأَنَّ مَا تَقَدَّرَ بِالشَّرْعِ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ كَدِيَةِ الْحُرِّ ، وَمَا تَقَدَّرَ بِالِاجْتِهَادِ ، اخْتَلَفَ حُكْمُهُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، كَقِيمَةِ الْعَبْدِ ، وَبِهِمَا فَرَّقْنَا فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَعَارِضَةِ بَيْنَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ ، وَنُقْصَانِهِ ، لِعَدَمِ النَّصِّ فِي عَدَدِهِ وَسَوَّيْنَا فِي الشَّهَادَاتِ الْمُتَعَارِضَةِ ، بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، لِوُرُودِ النَّصِّ فِي عَدَدِهِ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ انْفِصَالٌ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ . وَقَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ أَوْهَى ، لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْحَقُّ بِشَهَادَةِ عَشْرَةٍ ، ثُمَّ ثَبَتَ قَضَاؤُهُ بِشَاهِدَيْنِ قَضَى بِهِمَا عَلَى شَهَادَةِ الْعَشْرَةِ ، وَلَمْ يُقَسَّطِ الْقَضَاءُ عَلَى الْعَدَدِ كَذَلِكَ فِي إِثْبَاتِ الْحَقِّ ، وَهُوَ حُجَّةٌ ، عَلَى مَالِكٍ أَيْضًا .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا تُرَجَّحُ الشَّهَادَةُ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ وَزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ كَذَلِكَ لَا تُرَجَّحُ بِأَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِهِمَا شَاهِدَانِ ، وَالْأُخْرَى شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الشَّاهِدَتَيْنِ بَيِّنَةٌ كَامِلَةٌ ، فَإِذَا تَعَارَضَ شَاهِدَانِ وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ فَفِيهِمَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَقُومُ عَلَى الشَّاهِدِ ، وَالْيَمِينِ ، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التُّهْمَةَ مُتَوَجِّهَةٌ فِي الْيَمِينِ ، وَغَيْرُ مُتَوَجِّهَةٍ فِي الشَّهَادَةِ .