وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرِهِ يَصُومُ وَيُتِمُّ وَيَقْصُرُ . وَلِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَلِأَنَّ الْفِطْرَ رُخْصَةٌ ، وَالصَّوْمَ عَزِيمَةٌ ، وَفِعْلُ الْعَزِيمَةِ أَوْلَى مِنَ الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ ، وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فَلَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الْفِطْرِ ، وَأَفْضَلُ: لِأَنَّ الْفِطْرَ مَضْمُونٌ بِالْقَضَاءِ ، وَفَوَاتُهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ". فَهَذَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَرَّ بِرَجُلٍ ، وَقَدْ أَحْدَقَ بِهِ النَّاسُ ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ مُسَافِرٌ ، قَدْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ". وَعِنْدَنَا أَنَّ مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ في السفر فَفِطْرُهُ أَوْلَى بِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ"، فَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ جَائِزًا .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَإِنْ نَوَى السَّفَرَ فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يُفَارِقَ الْمَنَازِلَ إِنْ كَانَ حَضَرِيًّا ، وَيُفَارِقُ مَوْضِعَهُ إِنْ كَانَ بَدَوِيًّا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ . إِذَا نَوَى سَفَرًا يَقْصُرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فِي بَلَدِهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ قَبْلَ إِنْشَاءِ السَّفَرِ ، وَهُوَ قَوْلُ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ . قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْأَسْوَدُ ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: إِذَا نَوَى السَّفَرَ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ فِي مَنْزِلِهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ . قَالُوا: لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ مُقِيمًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ ، وَهَذَا خَطَأٌ . وَالدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ [ النِّسَاءِ: ] . فَأَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَصْرَ لِلضَّارِبِ فِي الْأَرْضِ ، وَالْمُقِيمُ لَا يُسَمَّى ضَارِبًا . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَتَمَّ ، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَقَصَرَ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّمَ النِّيَّةَ لِسَفَرِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ ، ثُمَّ أَتَمَّ الظُّهْرَ لِأَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ خُرُوجِهِ . وَلِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ إِذَا دَخَلَ بُنْيَانَ بَلَدِهِ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ سَفَرِهِ إِجْمَاعًا وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ الْقَصْرُ فِي ابْتِدَاءِ خُرُوجِهِ قَبْلَ مُفَارَقَةِ بُنْيَانِ بَلَدِهِ حِجَاجًا .