وَهُوَ مُقِيمٌ لَزِمَتْهُ صَلَاةُ مُقِيمٍ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عِنْدَهُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَالْإِمْكَانِ ، وَإِنَّمَا وَسِعَ لَهُ التَّأْخِيرُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا الرَّجُلُ الْمُقِيمُ لَا يَخْلُو حَالُ سَفَرِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِمَّا أَنْ يُسَافِرَ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، أَوْ يُسَافِرَ بَعْدَ الْوَقْتِ ، أَوْ يُسَافِرَ فِي الْوَقْتِ ، فَإِنْ سَافَرَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ فَلَهُ قَصْرُ تِلْكَ الصَّلَاةِ إِجْمَاعًا ، وَإِنْ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُ تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ فَلَهُ قَصْرُ تِلْكَ الصَّلَاةِ إِجْمَاعًا ، وَإِنْ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْصُرَهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ . وَإِنْ سَافَرَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَعَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُسَافِرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ إِمْكَانِ أَدَائِهَا فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَهَا فِي سَفَرِهِ . لَا خِلَافَ بَيْنِ أَصْحَابِنَا إِلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يَحْيَى الْبَلْخِيِّ . وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ الْقَصْرُ ؟ لِأَنَّهُ أَدَّى الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا مُسَافِرًا فَجَازَ لَهُ الْقَصْرُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُسَافِرَ وَقَدْ مَضَى مِنَ الْوَقْتِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ ، مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَكَافَّةِ أَصْحَابِنَا: لَهُ أَنْ يَقْصُرَهَا ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهَا ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: عَلَيْهِ إِتْمَامُهَا ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَصْرُهَا تَعَلُّقًا بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِدُخُولِ الْوَقْتِ ، وَإِمْكَانِ الْأَدَاءِ ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ الْأَدَاءُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَهُوَ مُقِيمٌ ، فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَامَّةً ، وَإِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَامَّةً لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: الْحَيْضُ أَقْوَى فِي إِسْقَاطِ الصَّلَاةِ مِنَ السَّفَرِ: لِأَنَّهُ يُسْقِطُ الصَّلَاةَ بِأَسْرِهَا ، وَالسَّفَرَ يُسْقِطُ شَطْرَهَا ، فَلَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَيْضَ إِذَا طَرَأَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ ، وَإِمْكَانِ الْأَدَاءِ وَجَبَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا ، وَلَمْ يَكُنِ الْحَيْضُ مُغَيِّرًا لِحُكْمِهَا ، كَانَ حُدُوثُ السَّفَرِ بَعْدَ إِمْكَانِ الْأَدَاءِ أَوْلَى أَنْ لَا يُغَيِّرَ حُكْمَ الصَّلَاةِ . وَهَذَا خَطَأٌ وَدَلِيلُنَا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ [ النِّسَاءِ: ] . وَلِأَنَّهُ سَافَرَ يَحِلُّ لِمِثْلِهِ الْقَصْرُ فَوَجَبَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاةِ أَنْ يَجُوزَ لَهُ قَصْرُهَا ، أَصْلُهُ إِذَا سَافَرَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ ، وَاسْتِقْرَارَ وُجُوبِهَا بِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ ، وَقَدْرِ الصَّلَاةِ ، وَكَيْفِيَّةِ أَدَائِهَا مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْأَدَاءِ . أَلَا تَرَى لَوْ زَالَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَبْدٍ ، أَوْ مَرِيضٍ صلاة الجمعة كَانَ فَرْضُهُمَا الظُّهْرُ أَرْبَعًا ، فَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ ، وَبَرَأَ الْمَرِيضُ ، وَالْوَقْتُ بَاقٍ لَزِمَهُمَا الْجُمُعَةُ ، وَلَوْ دَخَلَ الْوَقْتُ ، وَهُوَ صَحِيحٌ كَانَ فَرْضُهُ الْجُمُعَةَ ، فَإِنْ مَرِضَ فِي الْوَقْتِ قَبْلَ حُضُورِ الْجُمُعَةِ كَانَ فَرْضُهُ الظُّهْرَ أَرْبَعًا اعْتِبَارًا"