فهرس الكتاب

الصفحة 8197 من 8432

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَلَوْ أَعْتَقَ مُسْلِمٌ نَصْرَانِيًّا أَوْ نَصْرَانِيٌّ مُسْلِمًا فَالْوَلَاءُ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يَتَوَارَثَانِ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ وَلَا يَقْطَعُ اخْتِلَافُ الدِّينِ الْوَلَاءَ كَمَا لَا يَقْطَعُ النَّسَبَ ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ ، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ فَلَمْ يُقْطَعِ النَّسَبُ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي مُسْلِمٍ أَعْتَقَ نَصْرَانِيًّا . وَالثَّانِي: فِي نَصْرَانِيٍّ أَعْتَقَ مُسْلِمًا . وَأَمَّا إِذَا أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا ، فَلَهُ وَلَاؤُهُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَا يَرِثُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَرِثُهُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ إِلَيْهِ عَنْ رَقٍّ اعْتِبَارًا بِمَا كَانَ يَمْلِكُهُ مِنْ أَكْسَابِهِ فِي حَالِ الرِّقِّ . وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ . وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ بِالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ ، فَلَمَّا سَقَطَ التَّوَارُثُ بِالنَّسَبِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ كَانَ سُقُوطُهُ بِالْوَلَاءِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ ، وَالنَّسَبُ مَتْبُوعٌ ، وَلَيْسَ لِمَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ حَالِ الرِّقِّ وَجْهٌ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ فِي حَالِ الرِّقِّ مِلْكًا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الدِّينِ ، وَهُوَ يَأْخُذُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ إِرْثًا يَمْنَعُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الدِّينِ ."

فَصْلٌ: وَأَمَّا إِذَا أَعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ مُسْلِمًا ، فَلَهُ وَلَاؤُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَرِثْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَمْلِكُ الْكَافِرُ وَلَاءً عَلَى مُسْلِمٍ ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ مُعْتِقِهِ ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُعْتِقُ لَمْ يَمْلِكِ الْوَلَاءَ . وَقَالَ: لَوْ أَعْتَقَ نَصْرَانِيٌّ نَصْرَانِيًّا كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُعْتِقُ بَطَلَ وَلَاءُ مَوْلَاهُ ، فَإِنْ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، ( التَّوْبَةِ: ) . وَقَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ( الْأَنْفَالِ: ) . وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقَرَّ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ رِقٌّ لَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ الْمُسْتَحَقُّ بِالرِّقِّ . وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ لِكُلِّ مُعْتِقٍ ، وَلِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ . فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِلَافُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت