أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَهَا عَلَى مَا شَرَطَهُ فِي يَوْمِ عِتْقِهَا . وَالثَّانِي: أَنَّهَا لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهَا الْأَجْرَ دُونَ الْوَلَاءِ . وَبِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ: أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ أَعْتَقَتْهُ لَيْلَى بِنْتُ يَعَارَ زَوْجَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ سَائِبَةً ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، وَخَلَّفَ بِنْتًا ، وَمَوْلَاتَهُ لَيْلَى زَوْجَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ ، فَدَفَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ إِلَى بِنْتِهِ النِّصْفَ ، وَعَرَضَ الْبَاقِيَ عَلَى مَوْلَاتِهِ ، فَقَالَتْ: لَا أَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ سَالِمٍ ، فَإِنِّي جَعَلْتُهُ سَائِبَةً لِلَّهِ ، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ النِّصْفَ الْبَاقِيَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ ( الْمَائِدَةِ: ) ، فَلَمَّا امْتَنَعَ مِنْ حُكْمِ السَّائِبَةِ فِي الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا يَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ الْعِتْقِ ، كَانَ الْمَنْعُ فِي الْآدَمِيِّينَ مِمَّنْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْعِتْقِ أَوْلَى . وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ . وَفِيهِ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِالنَّسَبِ ، وَالنَّسَبُ لَا يُعْتَبَرُ حُكْمُهُ بِالشَّرْطِ ، كَذَلِكَ الْوَلَاءُ . وَالثَّانِي: قَوْلُهُ:"وَلَا يُوهَبُ"وَالسَّائِبَةُ هِبَةُ الْوَلَاءِ ، وَلِأَنَّ مَوَالِيَ بَرِيرَةَ بَاعُوهَا عَلَى عَائِشَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا ، وَاشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ وَلَاؤُهَا إِذَا أُعْتِقَتْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ . كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشُرُوطُهُ أَوْثَقُ ، وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . فَأَثْبَتَ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ وَأَبْطَلَ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ . وَرُوِيَ أَنَّ طَارِقًا أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ سَوَائِبَ ، وَكَانُوا سِتَّةً ، وَقِيلَ عَشْرَةً فَمَاتُوا كُلُّهُمْ بَعْدَ مَوْتِ طَارِقٍ ، وَخَلَّفُوا مَالًا ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ فَقَضَى بِهِ لِوَرَثَةِ طَارِقٍ ، فَامْتَنَعُوا مِنْ أَخْذِهِ ، فَقَالَ عُمَرُ: أَرْجِعُوهُ إِلَى قَوْمٍ مِثْلِهِمْ ، فَأَبَانَ بِهَذَا الْقَضَاءِ أَنَّ الْوَلَاءَ ثَابِتٌ فِي عِتْقِ السَّائِبَةِ . وَرَوَى قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّ أَصْحَابَ السَّوَائِبِ شَكَوْا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَالُوا: إِمَّا أَنْ تَجْعَلَ الْعَقْلَ عَلَيْنَا ، وَالْمِيرَاثَ لَنَا ، وَإِمَّا أَلَّا يَكُونُ لَنَا مِيرَاثٌ ، وَلَا عَلَيْنَا عَقْلٌ ، فَقَضَى عُمَرُ لَهُمْ بِالْمِيرَاثِ . وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ فِي الْعِتْقِ كَالرَّجْعَةِ فِي الطَّلَاقِ ، فَلَمَّا كَانَ لَوْ طَلَّقَهَا عَلَى أَلَّا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَاسْتَحَقَّ الرَّجْعَةَ ، وَجَبَ مِثْلُهُ فِي عِتْقِ السَّائِبَةِ أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ ، وَيُسْتَحَقَّ الْوَلَاءُ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ . فَهُوَ مَا وَصَلَهُ بِهِ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا ، وَهَذَا مِنْهُ .