فهرس الكتاب

الصفحة 8213 من 8432

فَصْلٌ: فَأَمَّا بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَهِبْتُهُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا فِي دَيْنٍ ، وَغَيْرِ دَيْنٍ ، سَوَاءً كَانَ تَدْبِيرُهُ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا ، وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ ، وَفِي التَّابِعِينَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ ، وَفِي الْفُقَهَاءِ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ . وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، أَنَّهُ كَالْعِتْقِ النَّاجِزِ فِي الْمَرَضِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلَّا فِي الدَّيْنِ مُقَيَّدًا ، كَانَ أَوْ مُطْلَقًا . وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ كَانَ تَدْبِيرُهُ مُقَيَّدًا جَازَ بَيْعُهُ فِي دَيْنٍ وَغَيْرِ دَيْنٍ ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ فِي دَيْنٍ وَغَيْرِ دَيْنٍ ، فَجَعَلَهُ لَازِمًا إِذَا أُطْلِقَ ، وَغَيْرَ لَازِمٍ إِذَا قُيِّدَ ، وَهُوَ عِنْدَنَا غَيْرُ لَازِمٍ فِي الْحَالَيْنِ ، احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ . قَالُوا: وَلِأَنَّ كُلَّ عِتْقٍ نُجِزَ إِطْلَاقُهُ بِمَوْتِ الْمُعْتِقِ ، مَنَعَ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ كَأُمِّ الْوَلَدِ . قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَفَادَ بِالتَّدْبِيرِ اسْمًا غَيْرَ اسْمِ الْعَبِيدِ ، وَجَبَ أَنْ يَسْتَفِيدَ بِهِ حُكْمًا غَيْرَ أَحْكَامِ الْعَبِيدِ ؛ لِأَنَّ انْتِقَالَ الِاسْمِ يُوجِبُ انْتِقَالَ الْحُكْمِ ، وَلَوْ جَازَ بَيْعُهُ لَبَقِيَ عَلَى حُكْمِهِ مَعَ انْتِقَالِ اسْمِهِ ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ كَالْمُكَاتَبِ . وَدَلِيلُنَا مَا رُوِّينَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ بَاعَ مُدَبَّرًا عَلَى مَالِكِهِ . فَإِنْ قِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِ مَنَافِعِهِ بِالْإِجَارَةِ قِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْدَلَ عَنْ حَقِيقَةِ الْمَذْكُورِ إِلَى مَجَازٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ ، مَا لَمْ يَصْرِفْ عَنْهُ دَلِيلٌ . فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا بَاعَهُ فِي دَيْنٍ ، وَقَدْ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ مَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ فِي غَيْرِ الدَّيْنِ كَالْمُعْتِقِ فِي الْمَرَضِ ، قِيلَ: لَوْ كَانَ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي الدَّيْنِ لَكَانَ بَيْعُهُ مَوْقُوفًا عَلَى طَلَبِ الْغُرَمَاءِ ، وَلَمَا جَازَ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ إِلَّا قَدْرَ الدَّيْنِ ، وَقَدْ بَاعَهُ كُلَّهُ بِثَمَنٍ دَفَعَهُ إِلَيْهِ ، وَقَالَ لَهُ: أَنْفِقْ عَلَى نَفْسِكَ ، ثُمَّ عَلَى عِيَالِكَ ، ثُمَّ عَلَى ذَوِي رَحِمَكَ ، ثُمَّ اصْنَعْ بِالْفَضْلِ مَا شِئْتَ فَدَلَّ عَلَى بَيْعِهِ فِي الدَّيْنِ وَغَيْرِ الدَّيْنِ . وَقَدْ بَاعَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مُدَبَّرَتَهَا فِي غَيْرِ دَيْنٍ ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ فِي الدَّيْنِ وَغَيْرِ الدَّيْنِ ، وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ قَوْلٌ عُلِّقَ بِهِ عِتْقٌ عَلَى صِفَةٍ تَفَرَّدَ بِهَا فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ كَتَعْلِيقِهِ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ ، وَلِأَنَّ مَنْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ التَّدْبِيرِ ، جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ الْمَوْتِ كَالتَّدْبِيرِ الْمُقَيَّدِ ، وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ عِتْقُهُ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِهِ مَعَ صِحَّتِهِ جَازَ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ عِتْقِهِ كَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا رَوَاهُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ ، فَهُوَ أَنَّهُ مِنَ الْمَنَاكِيرِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى التَّنْزِيهِ بِدَلِيلِ مَا فَعَلَهُ مِنْ بَيْعِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت