فهرس الكتاب

الصفحة 8258 من 8432

قَالُوا: وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ فَصَحَّ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا كَالْبَيْعِ . قَالُوا: وَلِأَنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ أَسْقَطَ بِهَا حَقَّهُ مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى أَجَلٍ كَالْإِبْرَاءِ . قَالُوا: وَلِأَنَّ دُخُولَ الْأَجَلِ غَرَرٌ ، فَإِذَا صَحَّ الْعَقْدُ مَعَهُ ، لَزِمَكُمْ عَلَى قَوْلِكُمْ فِي السَّلَمِ أَنْ تَجْعَلُوهُ لِخُلُوِّهِ مِنَ الْأَجَلِ أَصَحَّ ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ فِيهِ: إِذَا جَازَ مُؤَجَّلًا كَانَ حَالًّا أَجْوَزَ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْغَرَرِ أَبْعَدُ . وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِلَى قَوْلِهِ:"فِيهِمْ خَيْرًا"، ( النُّورِ: ) ، . فَسَمَّاهَا كِتَابَةً وَأَفْرَدَهَا بِهَذَا الِاسْمِ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْعُقُودِ . وَالْعَقْدُ إِذَا أُفْرِدَ بِاسْمٍ وَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَعْنَى ذَلِكَ الِاسْمِ ، كَالسَّلَمِ سُمِّيَ سَلَمًا ، لِوُجُوبِ تَسْلِيمِ جَمِيعِ الثَّمَنِ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ سُمِّيَتْ كِتَابَةً لِوُجُوبِ الْكِتَابَةِ . وَالْكِتَابَةُ إِنَّمَا نَدَبْنَا إِلَيْهَا فِي الْحُقُوقِ الْمُؤَجَّلَةِ دُونَ الْمُعَجَّلَةِ أَلَا تَرَاهُ قَالَ تَعَالَى: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ( الْبَقَرَةِ: ) ، وَقَالَ فِي الْمُعَجَّلَةِ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ، ( الْبَقَرَةِ: ) ، فَدَلَّ اخْتِصَاصُ هَذَا الْعَقْدِ بِاسْمِ الْكِتَابَةِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِحُكْمِ التَّأْجِيلِ . وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِعُمُومِ الْآيَةِ وَنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْغَرَرِ . وَالْغَرَرُ: مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ جَوَازَيْنِ أَخْوَفُهُمَا أَغْلَبُهُمَا وَالْكِتَابَةُ الْحَالَّةُ غَرَرٌ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ أَحْوَالِ الْمُكَاتَبِ عَجْزُهُ عَنْهَا فَكَانَ عَقْدُهَا بَاطِلًا وَيَتَحَرَّرُ مِنِ اعْتِلَالِ هَذَا الْخَبَرِ قِيَاسٌ . فَنَقُولُ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَتَعَذَّرُ فِيهِ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَقْتَ اسْتِحْقَاقِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَكَالسَّلَمِ إِلَى أَجَلٍ يَتَحَقَّقُ عَدَمُهُ فِيهِ وَلَا يَفْسُدُ بِنِكَاحِ الصَّغِيرَةِ لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا يُسْتَحَقُّ عِنْدَ إِمْكَانِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا . فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فَاسِدٌ بِالْبَيْعِ عَلَى مُعْسِرٍ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ وَلَا يُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ . قِيلَ: إِعْسَارُهُ فِي الظَّاهِرِ لَا يُوجِبُ إِعْسَارَهُ فِي الْبَاطِنِ ، لِجَوَازِ أَنْ يَمْلِكَ مَا لَا يُعْلَمُ وَإِعْسَارُ الْمُكَاتَبِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ قَبْلَ كِتَابَتِهِ ، فَافْتَرَقَا فِي تَعْيِينِ الْإِعْسَارِ ، فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا فِي الْجَوَازِ . فَإِنْ قِيلَ: يَفْسُدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ يُؤَدِّيهِ فِي نَجْمَيْنِ مُقَدَّرَيْنِ بِسَاعَتَيْنِ مِنْ يَوْمٍ تَتَعَذَّرُ مِنْهُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ ، وَتَصِحُّ كِتَابَتُهُ . وَكَذَلِكَ فِي الْمُعَجَّلِ قِيلَ: يُمْكِنُهُ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِ النَّجْمِ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً بِقَدْرِ كِتَابَتِهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فِي الْحَالِّ الْمُعَجَّلِ فَافْتَرَقَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت