فهرس الكتاب

الصفحة 8264 من 8432

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَفْظُ الْكِتَابَةِ صَرِيحٌ يَتَحَرَّرُ بِهِ الْعِتْقُ عِنْدَ الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ تَصْرِيحٌ بِالْعِتْقِ وَلَا نِيَّةٌ كَالتَّدْبِيرِ هُوَ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيرِ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَصْرِيحٍ وَلَا نِيَّةٍ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ، لِأَنَّ لَفْظَ الْكِتَابَةِ كِنَايَةٌ يَتَسَاوَى فِيهِ الِاحْتِمَالُ . فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ كِتَابَةَ الْمُرَاسَلَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ كِتَابَةَ الْمُخَارَجَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ كِتَابَةَ الْعِتْقِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ مَعَ احْتِمَالِهِ صَرِيحًا وَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ فِي الطَّلَاقِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ ، أَوْ بَرِيئَةٌ . فَأَمَّا لَفْظُ التَّدْبِيرِ هل يكون صريح في العتق أم كناية: فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فِي الْعِتْقِ كَمَا نَصَّ فِي لَفْظِ الْكِتَابَةِ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ نَصِّهِ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنْ نَقَلُوا جَوَابَهُ فِي التَّدْبِيرِ إِلَى الْكِتَابَةِ وَجَوَابَهُ فِي الْكِتَابَةِ إِلَى التَّدْبِيرِ وَخَرَّجُوهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّفْظَ فِيهِمَا صَرِيحٌ فِي الْعِتْقِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي التَّدْبِيرِ وَلَا تَفْتَقِرُ الْكِتَابَةُ إِلَى نِيَّةٍ كَمَا لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَيْهَا التَّدْبِيرُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّفْظَ فِيهَا كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ لَا يَقَعُ فِيهِمَا إِلَّا بِنِيَّةٍ أَوْ تَصْرِيحٍ لفظ التدبير عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْكِتَابَةِ ، وَلَا يَقَعُ الْعِتْقُ فِي التَّدْبِيرِ إِلَّا بِتَصْرِيحٍ أَوْ نِيَّةٍ كَمَا لَمْ يَصْحَّ فِي الْكِتَابَةِ ، فَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ . وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا جَعَلَ التَّدْبِيرَ صَرِيحًا فِي الْعِتْقِ مِنَ الْعَالِمِ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ جَاهِلٍ لَكَانَ كِنَايَةً ، وَجَعَلَ الْكِتَابَةَ كِنَايَةً مِنَ الْجَاهِلِ ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الْعَالِمِ لَكَانَ صَرِيحًا ، فَسَوَّى بَيْنِ لَفْظِ الْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ ، فَجَعَلَهُمَا صَرِيحِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ كِنَايَتَيْنِ مِنَ الْجُهَّالِ . وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ ، لِأَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتَهُ تَسْتَوِي فِي حَقِّ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ ، كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ . وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّ الْجَوَابَ مِنْهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، فَتَكُونُ لَفْظُ الْكِتَابَةِ كِنَايَةً مِنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ ، وَالتَّدْبِيرُ صَرِيحًا مِنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا كَثْرَةُ التَّدْبِيرِ وَقِلَّةُ الْكِتَابَةِ ، فَصَارَ التَّدْبِيرُ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْعِتْقِ صَرِيحًا ، وَالْكِتَابَةُ لِقِلَّةِ اسْتِعْمَالِهَا فِيهِ كِنَايَةً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت