أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ الدَّارِكِيِّ وَعَزَاهُ لِأَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ كَالْمُنْشِئِ لِسَفَرِهِ فِي مَعْصِيَةٍ فَعَلَى هَذَا سَقَطَ اسْتِدْلَالُهُمْ بِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ أَنْ يَتَرَخَّصَ لِأَنَّ الَّذِي جَلَبَ لَهُ هَذِهِ الرُّخَصُ إِحْدَاثُ السَّفَرِ ، وَإِحْدَاثُهُ لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا إِحْدَاثُهُ مَعْصِيَةٌ فَافْتَرَقَا فِي اسْتِبَاحَةِ الرُّخَصِ . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّيَمُّمِ فَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُنَا فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ ، وَلَكِنْ هَلْ يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُعِيدُ ، فَعَلَى هَذَا لَا تَخْفِيفَ . وَالثَّانِي: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الرُّخَصِ أَنَّ الرُّخْصَ يُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا ، وَالتَّيَمُّمُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ تَرْكِهِ ، وَفِعْلِهِ ، وَإِنْ تَرَكَهُ كَانَ عَاصِيًا بِتَرْكِهِ ، وَلَوْ تَرَكَ الرُّخْصَةَ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِتَرْكِهَا فَافْتَرَقَا . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ فِي مَنْعِ الْمُضْطَرِّ الْعَاصِي مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ إِتْلَافَ نَفْسِهِ ، وَحِرَاسَةُ نَفْسِهِ وَاجِبٌ ، قُلْنَا: إِذَا اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِهَا وَهُوَ عَاصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَكْلُهَا لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ إِلَّا بَعْدَ إِحْدَاثِ التَّوْبَةِ ، كَمَا أَنَّ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتَ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ مُحْدِثٌ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ الصَّلَاةِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهَا مُحْدِثًا إِلَّا بَعْدَ الطَّهَارَةِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا كَمَا أَنَّ الْمُضْطَرَّ الْعَاصِيَ قَادِرٌ عَلَى التَّوْبَةِ . فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعَاصِيَ مَمْنُوعٌ فِي سَفَرِهِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ كُلِّهَا ، فَفِي جَوَازِ مَسْحِهِ عَلَى خُفِّهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ ، وَالْمَسْحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً رُخْصَةٌ لِلْمُقِيمِ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ عَاصٍ فِي سَفَرِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَرَخَّصَ . وَلَيْسَ مِنْ حَيْثُ كَانَ لِلْمُقِيمِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَهُوَ مُقِيمٌ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَأْكُلُهَا مُسَافِرًا عَاصِيًا بِسَفَرِهِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"وَإِنْ صَلَّى مُسَافِرٌ بِمُقِيمِينَ ، وَمُسَافِرِينَ فَإِنَّهُ يُصَلِّي ، وَالْمُسَافِرُونَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ ، وَأَمَرَ الْمُقِيمِينَ أَنْ يُتِمُّوا أَرْبَعًا وَكُلُّ مُسَافِرٍ فَلَهُ أَنْ يُتِمَّ ، وَإِنُّمَا رَخَّصَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ إِنْ شَاءَ ، فَإِنْ أَتَمَّ فَلَهُ الْإِتْمَامُ ، وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ .