قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بِالشَّرْعِ لَتَقَدَّرَ بِهِ كَالزَّكَاةِ ، فَدَلَّ تَرْكُ تَقْدِيرِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ . وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ يُفْضِي إِلَى جَهَالَةِ الْبَاقِي ، فَتَصِيرُ الْكِتَابَةُ بِمَجْهُولٍ . وَالْعِوَضُ الْمَجْهُولُ تَبْطُلُ بِهِ الْكِتَابَةُ وَيَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجِبَ فِي الشَّرْعِ ، وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ مُعْتَبَرٌ بِصِفَةِ الْعِتْقِ ، لِأَنَّهُ إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ إِذَا أَدَّى آخِرَهَا فَهُوَ حُرٌّ ، فَإِذَا أَسْقَطَ عَنْهُ قَدْرَ الْإِيتَاءِ لَمْ تَكْمُلِ الصِّفَةُ ، وَلَمْ يَقَعِ الْعِتْقُ . وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْإِيتَاءِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ( النُّورِ: ) ، فَأَمَرَ بِالْإِيتَاءِ ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ . فَإِنْ قِيلَ: الْأَمْرُ بِالْإِيتَاءِ مُقْتَرِنٌ بِالْأَمْرِ بِالْكِتَابَةِ ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ بِالْكِتَابَةِ مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ ، كَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْإِيتَاءِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ . قِيلَ: قَدْ كَانَ ظَاهِرُ الْأَمْرِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فِيهَا ، لَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْكِتَابَةِ ، وَبَقِيَ الْوُجُوبُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْإِيتَاءِ . فَإِنْ قِيلَ: فَيُحْمَلُ وُجُوبُ الْإِيتَاءِ عَلَى مَا يُعْطُونَهُ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ فِي الزَّكَاةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَهُمْ فِيهَا سَهْمًا . قِيلَ: لَا يَصِحُّ حَمْلُ هَذَا الْإِيتَاءِ عَلَى سَهْمِهِمْ فِي الزَّكَاةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَكَاتِبُوهُمْ ( النُّورِ: ) مَحْمُولًا عَلَى شَهَادَةِ الْعَبْدِ ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ:"وَآتُوهُمْ" ( النُّورِ: ) وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى سَادَاتِهِمْ ، لِيَكُونَ إِرْسَالُ الْخِطَابِ فِي الْآخَرِ عَائِدًا إِلَى مَنْ أُرِيدَ بِالْأَوَّلِ ، وَلَا يَكُونُ عَائِدًا إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ . وَإِذَا عَادَ إِلَى سَادَةِ الْعَبِيدِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الزَّكَاةِ ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاتَهُ إِلَى عَبْدِهِ ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّ سَهْمَهُمْ فِي الزَّكَاةِ مُسْتَفَادٌ مِنْ آيَةٍ أُخْرَى ، فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى حُكْمٍ آخَرَ أَوْلَى . وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِيتَاءِ مِنْ مَالٍ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ . وَلَا يُضِيفُ إِلَى نَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الْأَمْوَالِ لَهُ إِلَّا لِتَشْرِيفِ الْمَالِ وَاسْتَطَابَتِهِ ، وَالزَّكَوَاتُ هِيَ أَوْسَاخُ الذُّنُوبِ ، فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِهَا أَوْلَى . وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ، أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ رُبُعَ الْكِتَابَةِ . وَهَذَا تَفْسِيرٌ وَدَلِيلٌ .