بَابُ كِتَابَةِ النَّصْرَانِيِّ مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَتَجُوزُ كِتَابَةُ النَّصْرَانِيِّ بِمَا تَجُوزُ بِهِ كِتَابَةُ الْمُسْلِمِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَشَذَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَمَنَعَ مِنْ كِتَابَةِ النَّصْرَانِيِّ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ ( النُّورِ: ) وَهَذَا قَوْلُهُ فَاسِدٌ ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ إِمَّا أَنْ يَغْلِبَ فِيهَا حُكْمُ الْبَيْعِ أَوْ حُكْمُ الْعِتْقِ ، وَالنَّصْرَانِيُّ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ كَالْمُسْلِمِ ، وَلِأَنَّ مَا خُوطِبَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ يَعُمُّ حُكْمُهُ ، وَلَا يَقِفُ عَلَيْهِمْ ، وَإِذَا كَانَتْ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ رُوعِيَ فِيهَا مَا يُرَاعَى فِي عُقُودِ مُكَاتَبَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَحْكَامِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَإِنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ ثُمَّ تَرَافَعَا إِلَيْنَا فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ فَيُبَاعَ عَلَى النَّصْرَانِيِّ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، إِذَا كَانَتْ كِتَابَةُ النَّصْرَانِيِّ جَائِزَةً حُمِلَا عَلَيْهَا ، وَأَخَذَا بِمُوجِبِهَا ، سَوَاءٌ أَقَامَهَا عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ أَسْلَمَ السَّيِّدُ أَوِ الْمُكَاتَبُ أَوْ هُمَا ، لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ يَصِحُّ فِي كِلَا الْحَالَيْنِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا انْتِقَالُ الْمُكَاتَبِ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرِثُهُ بِهِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَإِنْ عَجَزَ عَادَ رَقِيقًا ، وَالسَّيِّدُ عَلَى نَصْرَانِيَّتِهِ لَمْ يُقَرَّ عَلَى مِلْكِهِ ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ اسْتِرْقَاقِ مُسْلِمٍ ، وَأُخِذَ بِبَيْعِهِ أَوْ عِتْقِهِ ، وَلَا يُؤْخَذُ بِذَلِكَ قَبْلَ عَجْزِهِ لِخُرُوجِهِ بِالْكِتَابَةِ عَنْ حُكْمِ مِلْكِهِ ، وَإِفْضَائِهِ بِهَا إِلَى عِتْقِهِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى حَلَالٍ عِنْدَهُمْ حَرَامٌ عِنْدَنَا أَبْطَلْنَا مَا بَقِيَ مِنَ الْكِتَابَةِ ، فَإِنْ أَدَّاهَا ثُمَّ تَحَاكَمَا إِلَيْنَا فَقَدْ عَتَقَ الْعَبْدُ ، وَلَا يَرُدُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ شَيْئًا لِأَنَّ ذَلِكَ مَضَى فِي النَّصْرَانِيَّةِ ، وَلَوْ أَسْلَمَا وَبَقِيَ مِنَ الْكِتَابَةِ شَيْءٌ مِنْ خَمْرٍ فَقَبَضَهُ السَّيِّدُ عَتَقَ بِقَبْضِهِ آخِرَ كِتَابَتِهِ وَرَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ بِقِيمَتِهِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مُكَاتَبَةَ النَّصْرَانِيِّ لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: