فهرس الكتاب

الصفحة 8380 من 8432

مَا بِيَدِهِ عَنْهَا نُظِرَ فِي طَالِبِ الْحَجْرِ ، فَإِنْ طَلَبَهُ السَّيِّدُ لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ فِي حَقِّ السَّيِّدِ ، لِأَنَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِي الذِّمَّةِ ، وَإِنْ طَلَبَ أَرْبَابَ الدَّيْنِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يَحْجُرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ حَجْرَ الْمُفْلِسِ حِفْظًا لِحُقُوقِهِمْ ، وَإِنْ طَلَبَ مُسْتَحِقُّ الْجِنَايَةِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ نُظِرَ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أُجِيبَ إِلَى الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا إِلَّا فِيمَا فِي يَدِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُجَابُ إِلَى الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ عَلَّقَتْ أَرْشَ الْجِنَايَةِ بِمَا فِي يَدِهِ فَصَارَتْ كَالدُّيُونِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجَابُ إِلَى الْحَجْرِ عَلَيْهِ لِثُبُوتِ الْأَرْشِ فِي رَقَبَتِهِ ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ عِنْدَ إِعْسَارِهِ إِلَى أَخْذِ الْأَرْشِ مِنْهَا .

فَصْلٌ: فَإِذَا حَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَى الْمُكَاتَبِ عَلَيْهِ ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ:"أَدَّى إِلَى سَيِّدِهِ وَإِلَى النَّاسِ دُيُونَهُمْ شَرْعًا"فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِيهِ أُسْوَةٌ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ أُسْوَةٌ فِي مَالِهِ بِقَدْرِ حُقُوقِهِمْ ، فَيَشْتَرِكُ فِيهِ أَرْبَابُ الدُّيُونِ ، وَأَصْحَابُ الْجِنَايَاتِ وَالسَّيِّدِ ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مُطَالِبٌ بِحَقٍّ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَكُونُونَ أُسْوَةٌ مَعَ اتِّسَاعِ الْمَالِ ، وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ . فَأَمَّا مَعَ ضِيقِ الْمَالِ فَيُقَدَّمُ أَرْبَابُ الدُّيُونِ ، لِأَنَّهُمْ بِمَا فِي يَدِهِ أَخَصُّ ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ دُيُونِهِمْ فَضْلٌ كَانَ مُسْتَحِقُّ الْجِنَايَةِ أَحَقَّ بِهَا مِنَ السَّيِّدِ لِاسْتِقْرَارِ حَقِّهِ ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَضْلٌ صَارَتْ حِينَئِذٍ إِلَى السَّيِّدِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا فَرَّقَ مَالَهُ فِيهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَبَقِيَتْ لَهُمْ حُقُوقٌ وَجَمِيعُهَا حَالَّةٌ فَلَيْسَ يَلْزَمُهُمْ إِنْظَارُهُ بِهَا إِلَّا بِاخْتِيَارِهِمْ ، فَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى إِنْظَارِهِ بِهَا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يَلْزَمُهُمْ هَذَا الْإِنْظَارُ إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي سَمَّوْهُ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ، وَلَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِي الْمُطَالَبَةِ مَتَى شَاءُوا كَالْهِبَةِ إِذَا لَمْ تُقْبَضُ . وَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُمُ الْإِنْظَارُ ، وَلَيْسَ لَهُمُ الْمُطَالَبَةُ قَبْلَ الْأَجَلِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي لُزُومِ الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا صَحَّ دُخُولُ الْأَجَلِ فِيهِ كَالْأَثْمَانِ وَمَالِ الْكِتَابَةِ لَزِمَ الْإِنْظَارُ بِهِ إِلَى الْأَجَلِ ، وَمَا لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ الْأَجَلِ فِيهِ كَالْقَرْضِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ لَمْ يَلْزَمِ الْإِنْظَارُ بِهِ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُمَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت