وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْجُمْعَةُ لِوُجُودِ شَرَائِطِهَا ، وَهِيَ الْخُطْبَةُ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ وَكَمَالِ الْعَدَدِ ، فَهَذَا أَحَدُ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا . وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَخْطُبُ وَاجِبًا لَا اسْتِحْبَابًا وَيُصَلِّي الْجُمْعَةَ لَا ظُهْرًا: لِأَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ ، وَالْعَدَدَ مَوْجُودٌ ، قَالَ: وَقَدْ أَخْطَأَ الْمُزَنِيُّ فِي نَقْلِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ:"أَحْبَبْتُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْخُطْبَةَ". وَإِنَّمَا أَوْجَبْتُ وَيُصَلِّي بِهِمْ جُمْعَةً ، قَالَ: وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ:"فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَلَّى بِهِمْ ظُهْرًا أَرْبَعًا"أَرَادَ بِهِ: إِنْ لَمْ يَعْقِدْ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ ، فَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْهُ ، وَقَدْ أَخْطَأَ فِي تَخْطِئَتِهِ الْمُزَنِيَّ ؛ لِأَنَّ الرَّبِيعَ هَكَذَا نَقَلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَحْبَبْتُ ، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ"أَوْجَبْتُ"، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُزَنِيَّ لَمْ يُخْطِئْ فِي نَقْلِهِ ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي تَأْوِيلِهِ . وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْعُذْرُ بَاقِيًا خَطَبَ اسْتِحْبَابًا ، وَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ خَطَبَ وَاجِبًا ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَا وَجْهَ لَهُ: لِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرًا فِي سُقُوطِ الْخُطْبَةِ ابْتِدَاءً لَمْ يَكُنْ عُذْرًا فِي سُقُوطِهَا انْتِهَاءً .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"فَإِنِ انْفَضُّوا بَعْدَ إِحْرَامِهِ بِهِمْ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا إِنْ بَقِيَ مَعَهُ اثْنَانِ حَتَى تَكُونَ صَلَاتُهُ صَلَاةَ جَمَاعَةٍ أَجْزَأَتْهُمُ الْجُمُعَةُ . وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: لَا تُجْزِئُهُمْ بِحَالٍ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ أَرْبَعُونَ تَكْمُلُ بِهِمُ الصَّلَاةُ . ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) : قُلْتُ أَنَا: لَيْسَ لِقَوْلِهِ إِنْ بَقِيَ مَعَهُ اثْنَانِ أَجْزَأَتْهُمُ الْجُمُعَةُ مَعْنًى ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ فِي الِاسْتِقْبَالِ فِي مَعْنَى الْمُنْفَرِدِ فِي الْجُمُعَةِ وَلَا جَمَاعَةَ تَجِبُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ عِنْدَهُ أَقَلُّ مِنَ الْأَرْبَعِينَ ، فَلَوْ جَازَتْ بِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِأَرْبَعِينَ جَازَتْ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْأَرْبَعِينَ ، فَلَيْسَ لِهَذَا وَجْهٌ فِي مَعَنَاهُ هَذَا وَالَّذِي هُوَ أَشْبَهُ بِهِ إِنْ كَانَ صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ انْفَضُّوا صَلَى أُخْرَى مُنْفَرِدًا كَمَا لَوْ أَدْرَكَ مَعَهُ رَجُلٌ رَكْعَةً صَلَّى أُخْرَى مُنْفَرِدًا وَلَا جُمُعَةَ لَهُ إِلَّا بِهِمْ وَلَا لَهُمْ إِلَّا بِهِ ، فَأَدَاؤُهُ رَكْعَةً بِهِمْ كَأَدَائِهِمْ رَكْعَةً بِهِ عِنْدِي فِي الْقِيَاسِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ أَحْدَثَ في صلاة الجمعة بَنَوْا وُحْدَانًا رَكْعَةً وَأَجْزَأَتْهُمْ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: أَنْ يُحْرِمَ الْإِمَامُ بِصَلَاةِ الْجُمْعَةِ مَعَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَصَاعِدًا ، ثُمَّ يَنْفَضُّونَ عَنْهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ، لِعَارِضٍ مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، بَعْدَ سَلَامَةِ الْخُطْبَةِ ، فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ فِي افْتِتَاحِهَا وَاسْتَدَامَتِهَا ، فَمَتَى نَقَصَ مِنَ الْأَرْبَعِينَ وَاحِدٌ بَنَى عَلَى الظُّهْرِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ فِي افْتِتَاحِهَا ، فَإِنْ بَقِيَ مَعَهُ بَعْدَ انْفِضَاضِهِمُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا بَنَى عَلَى الْجُمْعَةِ . وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي كِتَابِ"الْأُمِّ"، وَنَقَلَهُمَا الْمُزَنِيُّ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ .