إِلَى رَبِّهَا فَيُطَالِبُهُ بِزَكَاتِهَا ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْعَادِلَةَ خَيْرٌ مِنَ الدَّعْوَى الْكَاذِبَةِ وَالْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ ، فَإِنْ قِيلَ: وَلِمَ أَجَزْتُمْ شَهَادَتَهُمَا وَقَدْ شَهِدَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَشْهَدَا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَرْنِي الَّذِي أَنَا فِيهِمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ ، الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثَمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ فِي النَّاسِ حَتَى يَشْهَدَ الشُّهُودُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا". قِيلَ: إِنَّمَا اجْتُزِينَا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَوِي فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْمُطَالِبُ فَحَسُنَ أَنْ يَشْهَدَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ ، وَكَذَلِكَ حُقُوقُ الْأَيْتَامِ وَالضُّعَفَاءِ وَمَنْ لَا نَاصِرَ لَهُ وَلَا مُعَاضِدَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"خَيْرُ الشَّهَادَةِ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا فِيهَا"، فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقًا لِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا ، وَيُحْمَلُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ عَلَى دَعَاوَى الْخُصُومِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، فَيَكُونُ الْحَدِيثَانِ مَعًا مُسْتَعْمَلَيْنِ ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي الشَّاهِدَيْنِ إِنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا أَمْ لَا ؟ قِيلَ: إِنْ كَانَا مِنْ جِيرَانِ الْمَالِكِ وَأَهْلِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُمَا قَدْ يُتَّهَمَانِ أَنْ يَجُرَّا بِالشَّهَادَةِ نَفْعًا إِلَى أَنْفُسِهِمَا ، وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْخَائِنِ وَلَا ذِي غَمْرٍ ، وَلَا شَهَادَةُ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ"يَعْنِي بِذِي الْغَمْرِ الْعَدُوَّ ، وَالْقَانِعُ: السَّائِلُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَعَاهَدُونَهُ بِالْبِرِّ وَالصَّدَقَةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِيرَانِ الْمَالِكِ ، وَمِمَّنْ لَا تُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا تِلْكَ الزَّكَاةُ لِبُعْدِهِمَا ، فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تُقْبَلُ لِانْتِفَاءِ الرِّيبَةِ عَنْهُمَا . وَالثَّانِي: لَا تُقْبَلُ خَوْفًا مِنَ التُّهْمَةِ بِأَنْ تَئُولَ الصَّدَقَةُ إِلَيْهِمَا ، فَإِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ بِأَنَّهَا فِي يَدِهِ مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ إِلَى آخِرِهِ زكاة الغنم ، طُولِبَ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ ، فَإِنْ أَكْذَبَ الْبَيِّنَةَ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى إِكْذَابِهِ ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ جَبْرًا ، وَإِنْ أَصْدَقَ الْبَيِّنَةَ وَادَّعَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَاعَهَا فِي تَضَاعِيفِ الْحَوْلِ شِرَاءً ثُمَّ ابْتَاعَهَا زكاة الغنم فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ . لَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هَذِهِ الدَّعْوَى تُوَافِقُ الظَّاهِرَ أَوْ تُخَالِفُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِلظَّاهِرِ ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْيَمِينُ اسْتِظْهَارًا ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ الزَّكَاةُ . وَالثَّانِي: وَاجِبَةٌ فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ"