فهرس الكتاب

الصفحة 1121 من 8432

فَهَذَا الْكَلَامُ فِي مَوْضِعِ الْأَخْذِ . فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْأَخْذِ لأموال الصدقة: فَهُوَ: أَنْ يَبْدَأَ السَّاعِي بِأَسْبَقِ الْمَوَاشِي وَأَقْرَبِهَا إِلَيْهِ ، فَيَأْمُرَ بِضَمِّهَا إِلَى مَضِيقٍ مِنْ جِدَارٍ أَوْ حِظَارٍ أَوْ جَبَلٍ ، وَيَحْضُرُ الْكَاتِبُ فَيَكْتُبُ اسْمَ مَالِكِهَا ، وَيَقِفُ الْعَادُّ فِي أَضْيَقِ الْمَوَاضِعِ لِيَعُدَّهَا ، وَالْحَشَّارُ يَحْشُرُهَا لِيَعُدَّهَا الْعَادُّ بَعِيرًا بَعِيرًا ، وَيَكُونُ بِيَدِهِ عَوْدٌ يُشِيرُ بِهِ إِلَيْهَا وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْعَدَدِ لِتُؤْمَنَ عَلَيْهِ الْخِيَانَةُ وَالْغَلَطُ ، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى جَمِيعِ الْمَاشِيَةِ ، ثُمَّ يُثْبِتُهَا الْكَاتِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا أَخْصَرُ الْعَدَدِ وَأَوْحَاهُ ، وَبِهِ جَرَتِ الْعَادَةُ ، فَإِنِ ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ غَلَطًا عَلَى السَّاعِي ، أَوِ ادَّعَى السَّاعِي غَلَطًا عَلَى رَبِّ الْمَالِ أُعِيدَ الْعَدَدُ لِيَزُولَ الشَّكُّ .

فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلسَّاعِي أَنْ يَسْتَعْمِلَ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ ، وَلَا أَنْ يُلْزِمَهُمْ جُعْلَ اتِّبَاعِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَهُمْ وُكَلَاءُ أَهْلِ السُّهْمَانِ دُونَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أُجُورَهُمْ فِي الزَّكَاةِ ، وَفَرَضَ سَهْمًا لِلْعَامِلِينَ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ أُجُورِهِمْ إِلَّا مِنَ الْمَالِ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ يُصْرَفَ فِيهِمْ ، وَلَا يَجُوزَ لِلسَّاعِي أَنْ يَقْبَلَ مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ هَدِيَّةً ، لِأَنَّهُمْ يُهَادُونَهُ إِمَّا لِأَنْ يَتْرُكَ عَلَيْهِمْ حَقًّا ، أَوْ لِيَدْفَعَ عَنْهُمْ ظُلْمًا ، فَيَصِيرُ مُرْتَشِيًا عَلَى تَرْكِ حَقٍّ أَوْ دَفْعِ ظُلْمٍ ، وَذَلِكَ حَرَامٌ . وَقَدْ رَوَى أَبُو إِدْرِيسَ عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"لَعَنَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِي وَالرَّائِشَ". ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي"غَرِيبِ الْحَدِيثِ". فَالرَّاشِي دَافِعُ الرَّشْوَةِ ، وَالْمُرْتَشِي قَابِلُ الرَّشْوَةِ ، وَالرَّائِشُ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَهُمَا ، وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُصَدِّقًا مِنَ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللتَّبِّيَةِ ، فَجَاءَ بِأَشْيَاءَ فَعَزَلَ بَعْضَهَا وَقَالَ: هَذَا لَكُمْ وَعَزَلَ بَعْضَهَا وَقَالَ: هَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ . فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضَبًا شَدِيدًا وَرَقَى الْمِنْبَرَ وَقَالَ:"مَا بَالُ أَقْوَامٍ نُنْفِذُهُمْ إِلَى الصَّدَقَةِ فَيَقُولُونَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ . أَمَا كَانَ يَجْلِسُ فِي بَيْتِ أُمِّهِ ثَمَّ يَنْظُرُ هَلْ كَانَ يُهْدَى إِلَيْهِ شَيْءٌ أَمْ لَا ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَى رَأَيْتُ عَفْرَةَ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ . وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"لَا تُخَالِطُ الصَّدَقَةُ مَالًا إِلَّا أَهْلَكَتْهُ"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت