أَحَدُهُمَا: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاكِيًا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَمَّا الْعَبَّاسُ فَصَدَقَتُهُ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا". فَأَخْبَرَ أَنَّهَا فِي ضَمَانِهِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُفَرِّطُ ، فَثَبَتَ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ . وَالثَّانِي: وَهُوَ دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَهْلَ السُّهْمَانِ أَهْلُ رُشْدٍ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِيمَا بِأَيْدِيهِمْ تَصَرُّفَ غَيْرِهِمْ ، وَالْإِمَامُ وَالْوَلِيُّ مُتَصَرِّفٌ بِإِذْنِهِمْ ، وَلَيْسَ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَلَا يَتَفَرَّقُ الْيَتِيمُ فِي مَالِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، فَصَارَ وَالِي أَهْلِ السُّهْمَانِ كَالْوَكِيلِ يَضْمَنُ مَا أَخَذَهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ ، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ إِنَّ يَدَهَمْ كَيَدِهِ قِيلَ صَحِيحٌ ، لَكِنْ بَعْدَ الْوُجُوبِ عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ ، فَأَمَّا فِيمَا قَبْلُ فَلَا ، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَمْعِهِ بَيْنَ وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَوَالِي أَهْلِ السُّهْمَانِ فَمَا ذَكَرْنَا يُوجِبُ تَفْرِيقَ جَمْعِهِ بَيْنَهُمَا ، يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَتِيمَ لَوْ نَهَى وَلِيَّهُ عَنْ تَعْجِيلِ حَقِّهِ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى نَهْيِهِ ، لِأَنَّهُ مُوَلًّى عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَهْلُ السُّهْمَانِ ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُوَلًّى عَلَيْهِمْ ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَهَذَا الْكَلَامُ فِي أَحَدِ شَطْرَيِ الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ أَنْ يُعَجِّلَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا إِذَا تَعَجَّلَهَا بِمَسْأَلَةٍ الصدقة فَلَا يَخْلُو حَالُ مَنْ سَأَلَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْمَالِ ، وَأَهْلُ السُّهْمَانِ ، أَوْ هُمَا مَعًا ، فَإِنْ سَأَلَهُ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَتَعَجَّلَهَا مِنْ دُونِ أَهْلِ السُّهْمَانِ فَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ صَرَفَهَا فِي أَهْلِ السُّهْمَانِ . وَالثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ فِي يَدِهِ . وَالثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ قَدْ تَلِفَتْ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ صَرَفَهَا فِي أَهْلِ السُّهْمَانِ فَلِلدَّافِعِ وَالْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ مَضَتْ . أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَالْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ فَلَا رُجُوعَ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا تَجِبَ عَلَى الدَّافِعِ وَلَا يَسْتَحِقُّهَا الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ ، فَلِلدَّافِعِ أَعْنِي رَبَّ الْمَالِ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ أَعْنِي أَهْلَ السُّهْمَانِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْوَالِي ، لِأَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ الْوَالِي أَنْ يَتَعَجَّلَهَا مِنْهُ صَارَ الْوَالِي فِي الدَّفْعِ نَائِبًا عَنْهُ ، فَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي يَدِ الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ اسْتَرْجَعَهَا بِعَيْنِهَا ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَهْلَكَهَا نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَتْ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا