أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ كَبُطْلَانِ الرَّهْنِ: لِأَنَّ الرَّهْنَ مُلْحَقٌ بِالْبَيْعِ كَالْأَجَلِ ، وَفَسَادُ الْأَجَلِ مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ ، كَذَلِكَ الرَّهْنُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَبْطُلُ ، لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَجُوزُ إِفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَبُطْلَانُ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْآخَرِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ عَلَى الْبَيْعِ بِلَا رَهْنٍ ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ لِفَوَاتِ الرَّهْنِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَلَوْ حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ وَجَبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ ، فَإِنْ كَانَتْ إِبِلًا فَرِيضَتُهَا الْغَنَمُ بِيعَ مِنْهَا فَاسْتَوْفَيْتَ صَدَقَتَهَا ، وَكَانَ مَا بَقِيَ رَهْنًا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ ، إِذَا رَهَنَ مَاشِيَةً قَبْلَ حَوْلِهَا بلغت نصاب الزكاة: زكاتها في هذه الحالة فَرَهْنُهَا صَحِيحٌ ، وَتَجْرِي فِي الْحَوْلِ ، فَإِذَا حَالَ حَوْلُهَا وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ: لِأَنَّ مِلْكَ الرَّاهِنِ عَلَيْهَا تَامٌّ ، وَإِنَّمَا هُوَ نَاقِصُ التَّصَرُّفِ ، وَنُقْصَانُ التَّصَرُّفِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الزَّكَاةَ فِيهَا وَاجِبَةٌ لَمْ يَخْلُ حَالُ الدَّيْنِ الْمَرْهُونِ بِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَالًا ، أَوْ مُؤَجَّلًا ، فَإِنْ كَانَ حَالًا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ ، فَدَفَعَهَا الرَّاهِنُ مِنْ مَالِهِ ، كَانَ الرَّهْنُ بِحَالِهِ وَإِنْ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ مَالِهِ ، وَامْتَنَعَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ رَهْنِهِ ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا بِهَا أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهَا مِنْ مَالِهِ ، لِأَنَّهَا مِنْ مُؤْنَةِ الرَّهْنِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِهَا فَعَلَى قَوْلَيْنِ: إِنْ قِيلَ الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ بُدِئَ بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَقُدِّمَتْ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا فِي الذِّمَّةِ بَدَأَ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَكَانَتِ الزَّكَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ . وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا لَمْ يَخْلُ حَالُ الزَّكَاةِ وَالدَّيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ حَوْلُ الزَّكَاةِ أَسْبَقَ مِنْ حَوْلِ الدَّيْنِ فأيهما يقدم ، فَيَبْدَأُ بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْهَا قَبْلَ الدَّيْنِ ، إِلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الرَّاهِنُ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِهَا ، فَيَكُونُ الرَّهْنُ عَلَى جُمْلَتِهِ ، وَإِنْ أَبَى الرَّاهِنُ أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِنَ الرَّهْنِ: لِأَنَّ وُجُوبَهَا أَسْبَقُ مِنْ وُجُوبِ الدَّيْنِ ، فَكَانَتْ أَحَقَّ بِالتَّقْدِمَةِ ، وَإِذَا أُخِذَتِ الزَّكَاةُ بَطَلَ الرَّهْنُ فِيهَا ، وَكَانَ الرَّهْنُ ثَابِتًا فِي الْبَاقِي ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ لِنُقْصَانِ الرَّهْنِ: لِأَنَّ هَذَا النُّقْصَانَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ فِي يَدِهِ ، كَمَا لَوِ ارْتَهَنَ عَبْدًا فَقُتِلَ فِي يَدِهِ بِرِدَّةٍ ، أَوْ قُطِعَ بِسَرِقَةٍ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حُلُولُ الدَّيْنِ أَسْبَقَ مِنْ حُلُولِ الزَّكَاةِ فأيهما يقدم ، فَيُقَدِّمُ الدَّيْنَ لِتَقَدُّمِ اسْتِحْقَاقِهِ ، فَإِنْ بِيعَ الرَّهْنُ قَبْلَ الْحَوْلِ فَلَا زَكَاةَ ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ فَفِيهِ الزَّكَاةُ ، وَيُطَالَبُ بِهَا الرَّاهِنُ لِأَنَّهَا مِنْ مُؤْنَةِ الرَّهْنِ كَالسَّقْيِ ، وَالْعُلُوفَةِ ، وَأُجْرَةِ الرُّعَاةِ ، وَالْحَفَظَةِ .