فِي الثِّمَارِ أَوْ إِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي غَيْرِهَا ، وَالنِّصَابُ إِنَّمَا اعْتُبِرَ لِيَبْلُغَ الْمَالُ قَدْرًا يَتَّسِعُ لِلْمُوَاسَاةِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الثِّمَارِ ، كَوُجُودِهِ فِي غَيْرِهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَوْ كَانَ فِي ابْتِدَائِهَا عَفْوٌ لَكَانَ فِي انْتِهَائِهَا عَفْوٌ فَمُنْتَقِضٌ عَلَى أَصْلِنَا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي الْمَوَاشِي حَيْثُ دَخَلَ الْعَفْوُ فِي أَثْنَاءِ نِصَابِهَا: لِأَنَّ إِيجَابَ الْكَثِيرِ فِي جَمِيعِ الزِّيَادَةِ مَشَقَّةٌ تَلْحِقُ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ وَأَهْلَ السُّهْمَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَبِهَذَا نَأْخُذُ ، وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: إِذَا ثَبَتَ أَنْ لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْخَمْسَةِ فَصَاعِدًا ، وَاعْتِبَارُهَا وَقْتَ الِادِّخَارِ لَا وَقْتَ الْوُجُوبِ: لِأَنَّ زَكَاةَ الثِّمَارِ تَجِبُ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ ، وَالْخَمْسَةُ الْأَوْسُقِ تُعْتَبَرُ بِحَالِ الِادِّخَارِ ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ مِمَّا تَصِيرُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ تَمْرًا ، وَالْكَرْمُ مِمَّا يَصِيرُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ زَبِيبًا ، وَالزَّرْعُ مَا يَصِيرُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ حَبًّا ، فَإِنْ كَانَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ رَطْبًا وَعِنَبًا يَصِيرُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ ، فَأَمَّا الْوَسْقُ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ: حِمْلُ الْبَعِيرِ وَالنَّاقَةِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَيْنَ الشَّظَاظَانِ وَأَيْنَ الْمَرْبَعَهْ ؟ وَأَيْنَ وَسْقُ النَّاقَةِ الْجَلَنْقَعَهْ ؟ إِلَّا أَنَّ الْوَسْقَ فِي الشَّرِيعَةِ: سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالصَّاعُ: أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمُدُّ: رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ ، فَتَكُونُ الْخَمْسَةُ الْأَوْسُقِ ثَلَاثَمِائَةِ صَاعٍ ، وَهِيَ أَلْفُ مُدٍّ وَمِائَتَا مُدٍّ ، وَأَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ ذَلِكَ تَحْدِيدٌ يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِزِيَادَةِ رِطْلٍ وَنُقْصَانِهِ أَوْ تَقْرِيبٍ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ نُقْصَانُ رِطْلٍ أَوْ رِطْلَيْنِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَقْرِيبٌ: لِأَنَّ الْوَسْقَ عِنْدَهُمْ حِمْلُ النَّاقَةِ وَإِنَّمَا قُدِّرَ بِالصَّاعِ تَقْرِيبًا . وَالثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ تَحْدِيدٌ: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا فَحَدَّهُ بِذَلِكَ . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ وَافَقَنَا أَنَّ الْوَسْقَ سِتُّونَ صَاعًا ، وَالصَّاعُ: أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ ، وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي قَدْرِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ ، فَقَالَ الصَّاعُ: ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ ، وَالْمُدُّ: رِطْلَانِ ، وَسَنَذْكُرُ الْحِجَاجَ لَهُ وَعَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .