قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَقْصَاةً وَذَكَرْنَا إِذَا اسْتَوَتْ أَقْوَاتُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْضُهَا غَالِبًا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَفْضَلِهَا نَوْعًا ، وَأَكْثَرِهَا نَفْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ، [ آلِ عِمْرَانَ: ] ، وَإِنْ أَخْرَجَ مَنْ أَدْونِهَا ، وَهُوَ غَالِبُ قُوتِهِ أَوْ جُمْلَةُ أَقْوَاتِهِ أَجْزَأَهُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَيُقَسِّمُهَا عَلَى مَنْ تُقَسَّمُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمَالِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ مَصْرِفُ زَكَاةِ الْفِطْرِ ، مَصْرِفُ زَكَاةِ الْمَالِ فِي الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَالَ مَالِكٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ خَاصَّةً ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى فَقِيرٍ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ ، وَأَشَارَ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَأَمَرَ بِإِغْنَائِهِمْ ، وَإِغْنَاؤُهُمْ لَا يَكُونُ بِأَقَلَّ مِنْ صَاعٍ . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِنْ تَوَلَّى إِخْرَاجَهُ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ جُمْلَةِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ ، فَيَدْفَعُهَا إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ أَيِّ الْأَصْنَافِ شَاءَ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الْإِمَامِ لَمْ يُعْطِهَا إِلَّا فِي جَمِيعِ الْأَصْنَافِ ، وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا لِلضَّرُورَةِ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يُمْكِنُهُ وَضْعُهَا فِي جَمِيعِهِمْ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ مَعَ اتِّسَاعِ الْمَالِ وَكَثْرَةِ الصَّدَقَاتِ وَرَبُّ الْمَالِ إِنْ كُلِّفَ ذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ كُلِّفَ تَفْرِيقَ صَاعٍ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ حِصَّةً كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي حَالِهِ ، وَرُبَّمَا بَعَثَهُ قِلَّتُهَا عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ أَخْذِهَا وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، [ التَّوْبَةِ: ] ، الْآيَةَ فَجَعَلَ مَا انْطَلَقَ اسْمُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ مُسْتَحِقًّا لِمَنِ اشْتَمَلَتِ الْآيَةُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِهَا صِنْفٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ كَزَكَوَاتِ الْأَمْوَالِ ، فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا ، وَتَوَلَّى الْمُزَكِّي إِخْرَاجَهَا بِنَفْسِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي"الْأُمِّ"فَرَّقَهَا فِي سِتَّةِ أَصْنَافٍ ، وَسَقَطَ عَنْهُ سَهْمُ الْعَامِلِينَ وَالْمُؤَلِّفَةِ لِفَقْدِ مَا اسْتَحَقَّا بِهِ مِنَ الْحَاجَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْأَصْنَافَ السِّتَّةَ ، فَرَّقَهَا فِيمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَصِرَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى كَافِرٍ ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ دَفْعَهَا إِلَى كَافِرٍ ، وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ فِي زَكَاةِ الْمَالِ وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ فَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ فَجَعَلَ مَنْ تُدْفَعُ الصَّدَقَةُ إِلَيْهِ فَقِيرًا ، أَوْ مَنْ تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْهُ غَنِيًّا ، فَلَمَّا لَمْ تُؤْخَذِ الصَّدَقَةُ إِلَّا مِنْ غَنِيٍّ مُسْلِمٍ ، وَجَبَ أَنْ لَا تُدْفَعَ الصَّدَقَةُ إِلَّا إِلَى فَقِيرٍ مُسْلِمٍ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ إِخْرَاجُهُ لِلطُّهْرَةِ ، فَلَمْ يُجِزْهُ دَفْعُهُ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كَزَكَاةِ الْمَالِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَأَحَبُّ إِلَيَّ ذَوُو رَحِمِهِ إِنْ كَانَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ بِحَالٍ".