فهرس الكتاب

الصفحة 1458 من 8432

فَصْلٌ: فَأَمَّا مُحَادَثَةُ الْإِخْوَانِ للمعتكف فَمُبَاحَةٌ ، مَا لَمْ تَكُنْ مَأْثَمًا ، لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجِئْتُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَقَعَدْتُ وَحَدَّثْتُهُ فَلَمَّا قُمْتُ وَانْقَلَبْتُ قَامَ لِيَقْلِبَنِي ، - يَعْنِي يَرُدَّنِي - فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ الْمَسْجِدِ مَرَّ بِهِ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَاهُ أَسْرَعَا فَقَالَ:"عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ"فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ:"إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ أَحَدِكُمُ مَجْرَى لَحْمِهِ وَدَمِهِ فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمْ شَرًّا"أَوْ قَالَ شَيْئًا فَأَمَّا السَّبُّ وَالشَّتِيمَةُ وَالْقَذْفُ وَالنَّمِيمَةُ للمعتكف وغيره فَمَكْرُوهٌ ، لِكُلِّ أَحَدٍ وَالْمُعْتَكِفُ بِكَرَاهَتِهِ أَوْلَى كَالصَّائِمِ لِكَوْنِهِ فِي عِبَادَةٍ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ أَسَاءَ وَأَثِمَ ، وَاعْتِكَافُهُ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ لَا تَبْطُلُ بِالْكَلَامِ الْمُبَاحِ ، لَا تَبْطُلُ بِالْكَلَامِ الْمَحْظُورِ كَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ .

فَصْلٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ:"وَإِذَا شَرِبَ الْمُعْتَكِفُ نَبِيذًا فَسَكِرَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ"وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ إِذَا سَكِرَ وَأُخْرِجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ أَوْ كُلِّفَ الْخُرُوجَ مِنْهُ ، إِذْ لَا يَجُوزُ لِلسَّكْرَانِ الْمُقَامُ فِيهِ فَأَشْبَهَ الْمَرَضَ ، قِيلَ: لَهُمْ: لَا يَصِحُّ حَمْلُ الْمَسْأَلَةِ عَلَيْهِ إِذَا أُخْرِجَ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: وَلَوْ أَخْرَجَهُ السُّلْطَانُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ لَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ ، قَالُوا: إِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ إِذَا أُخْرِجَ لِإِقَامَةِ حَدٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ اعْتِكَافِهِ ، فَأَمَّا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ فَيُبْطِلُهُ ، وَكَأَنَّهُ اخْتَارَ الْخُرُوجَ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا حَتَّى سَكِرَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ ؛ لِأَنَّهُ بِالسُّكْرِ يَخْرُجُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْمُقَامِ فِيهِ ، فَصَارَ كَالْخَارِجِ مِنْهُ فَبَطَلَ اعْتِكَافُهُ .

فَصْلٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُعْتَكِفُ لَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ ، فَإِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ"فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الشَّافِعِيَّ أَمَرَ الرَّبِيعَ أَنْ يَخُطَّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا تُقْرَأَ عَلَيْهِ ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ ، لِأَنَّهَا أَسْوَأُ حَالًا مِنَ السُّكْرِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُخْرِجُ فِي الْمُرْتَدِّ قَوْلًا آخَرَ مِنَ السَّكْرَانِ ، وَفِي السَّكْرَانِ قُولًا آخَرَ مِنَ الْمُرْتَدِّ ، فَجَعَلَ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَقَالَ آخَرُونَ جَوَابُ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّدَّةِ عَلَى ظَاهِرِهِ لَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ ، وَفِي السُّكْرِ عَلَى ظَاهِرِهِ يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ بِالسُّكْرِ مَمْنُوعٌ مِنَ الْمَسْجِدِ ، فَصَارَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ ، وَبِالرِّدَّةِ لَا يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ وَالْكَافِرُ يَجُوزُ لَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت