وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ وَهُوَ أَنْ يَطَأَ فِي الْمَوْضِعِ الْمَكْرُوهِ مِنَ الْمَرْأَةِ أَوْ يَتَلَوَّطَ ، أَوْ يَأْتِيَ بَهِيمَةً فَحُكْمُ ذَلِكَ عِنْدَنَا حُكْمُ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ فِي إِفْسَادِ الْحَجِّ وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ عَلَى مَا مَضَى . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ: إِنَّهَا لَا تُفْسِدُ الْحَجَّ ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ إِفْسَادُ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ فِي اللِّوَاطِ بِقَوْلِنَا ، وَفِي إِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ جِمَاعٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْإِحْصَانُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَفْسُدَ بِهِ الْحَجُّ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ . وَدَلِيلُنَا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [ الْبَقَرَةِ: ] ؛ وَلِأَنَّهُ جِمَاعٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ فَجَازَ أَنْ يُفْسِدَ الْحَجَّ كَالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ ؛ وَلِأَنَّ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ أَغْلَظُ مِنَ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ لِتَحْرِيمِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَلَمَّا كَانَ أَخَفُّهُمَا مُفْسِدًا لِلْحَجِّ فَأَغْلَظُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا لِلْحَجِّ أَوْلَى ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ بِعِلَّةِ أَنَّهُ وَطْءٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْإِحْصَانُ فَفَاسِدٌ بِوَطْءِ الْإِمَاءِ ، يَفْسُدُ بِهِ الْحَجُّ وَلَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ وُجُوبُ الْغُسْلِ فِيهِ ، وَالْوَطْءُ دُونَ الْفَرْجِ لَا يَتَعَلَّقُ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ بِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِنْزَالِ إِنِ اقْتَرَنَ بِهِ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا إِذَا قَبَّلَ الْمُحْرِمُ زَوْجَتَهُ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ سَفَرِهِ ، فَإِنْ قَصَدَ بِالْقُبْلَةِ تَحِيَّةَ الْقَادِمِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَصَدَ بِهَا الشَّهْوَةَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَنْصَرِفُ ذَلِكَ إِلَى قُبْلَةِ التَّحِيَّةِ أَوْ إِلَى قُبْلَةِ الشَّهْوَةِ ، عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إِلَى قُبْلَةِ التَّحِيَّةِ اعْتِبَارًا بِظَاهِرِ الْحَالِ ، فَعَلَى هَذَا لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إِلَى قُبْلَةِ الشَّهْوَةِ اعْتِبَارًا بِمَوْضُوعِ الْقُبْلَةِ ، فَعَلَى هَذَا عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قُوِّمَتِ الْبَدَنَةُ دَارَهِمَ بِمَكَّةَ ، وَالدَرَاهِمُ طَعَامًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ ، قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ كَفَّارَةَ الْوَاطِئِ فِي إِحْرَامِهِ الْمُفْسِدِ لَهُ بِوَطْئِهِ"بَدَنَةٌ"وَدَلِيلُنَا عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمُفْسِدُ بَدَنَةً""فَبَقَرَةٌ"فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَسَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَوَّمَ"الْبَدَنَةَ"دَرَاهِمَ بِمَكَّةَ وَالدَّرَاهِمَ طَعَامًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا ، فَجَعَلَ لِلْبَدَنَةِ أَرْبَعَةَ أَبِدَالٍ للكفارة التي تجب على الواطء مُرَتَّبَةٍ ، فَبَدَأَ بِالْبَدَنَةِ وَجَعَلَ الْبَقَرَةَ بَدَلًا مِنَ الْبَدَنَةِ ، وَجَعَلَ السَّبْعَ مِنَ الْغَنَمِ بَدَلًا مِنَ الْبَقَرَةِ ، وَجَعَلَ الطَّعَامَ بَدَلًا مِنَ الْغَنَمِ ، وَجَعَلَ الصِّيَامَ بَدَلًا مِنَ الْإِطْعَامِ ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْبَدَنَةَ وَالْبَقَرَةَ وَالْغَنَمَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ فِي التَّرْتِيبِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالْغَنَمِ هَلْ هِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ كفارة الوطء في الحج عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَنْصُوصٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَيَبْدَأُ بِبَدَنَةٍ تَجُوزُ أُضْحِيَّةً ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبَقَرَةٌ تَجُوزُ أُضْحِيَّةً ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَسَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ تَجُوزُ"