يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ عِوَضًا ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنِ اسْتُؤْجِرَ لِبِنَاءِ حَائِطٍ فَجَمَعَ الْآلَةَ لِلْبِنَاءِ ثُمَّ لَمْ يَبْنِ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ لِعَدَمِ الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ ؟ كَذَلِكَ الْإِجَارَةُ عَلَى الْحَجِّ ، وَقَدْ خُرِّجَ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ لَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ الْمَسَافَةِ مَخْرَجًا مِنِ احْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْأُجْرَةِ: هَلْ تَتَقَسَّطُ عَلَى الْمَسَافَةِ وَالْعَمَلِ أَمْ لَا ؟ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ: لِأَنَّ الْمَسَافَةَ إِنَّمَا تَتَقَسَّطُ الْأُجْرَةُ عَلَيْهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إِذَا اقْتَرَنَ بِهَا الْعَمَلُ الْمَقْصُودُ ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا الْعَمَلُ فَلَا تَتَقَسَّطُ عَلَيْهَا الْأُجْرَةُ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ نُظِرَ فِي الْإِجَارَةِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً بَطَلَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ لَمْ تَبْطُلْ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ التَّوَجُّهِ فِي سَفَرِهِ وَبَعْدَ مُجَاوَزَةِ مِيقَاتِهِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِنُسُكِهِ ، فَالْكَلَامُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ بِسَفَرِهِ عَلَى مَا مَضَى ، لَكِنْ قَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ لِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ دَمٌ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ فِي مَالِهِ: لِأَنَّهُ قَدْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا الْإِحْرَامَ كَالْحَيِّ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ لَا دَمَ عَلَيْهِ: لِأَنَّ مُجَاوَزَةَ الْمِيقَاتِ إِنَّمَا يَجِبُ بِهَا الدَّمُ إِذَا تَعَقَّبَهَا الْإِحْرَامُ ، وَالْمَوْتُ قَاطِعٌ عَنِ الْإِحْرَامِ فَصَارَ كَمَنْ مَرَّ بِمِيقَاتِهِ مُرِيدًا الْحَجَّ فَلَمْ يُحْرِمْ فِي عَامِهِ وَلَا دَخَلَ مَكَّةَ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ ، فَهَذَا الْكَلَامُ فِيمَا إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي الْأَصْلِ وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَبَعْدَ كَمَالِ الْأَرْكَانِ الإجارة في الحج فَقَدْ سَقَطَ فَرْضُ الْحَجِّ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ وَاسْتَحَقَّ الْأَجِيرُ الْأُجْرَةَ لِإِتْيَانِهِ بِالْأَعْمَالِ الْمَقْصُودَةِ ، فَأَمَّا الْبَاقِي مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ كَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَمْ يَجِبْ بِتَرْكِهِ دَمٌ ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ كَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى إِذَا جَعَلْنَا الدَّمَ فِيهِ مُسْتَحَبًّا فَهَذَا الْحَجُّ فِيهِ مُجْزِئٌ وَيَسْتَرْجِعُ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِ مَا تَرَكَ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يُوجِبُ دَمًا ، فَفِي مَالِ الْأَجِيرِ الدَّمُ الْوَاجِبُ فِي تَرْكِهِ ذَلِكَ ، وَهَلْ يَسْتَرْجِعُ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْبَاقِيَةِ ؟ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي رَدِّ الْأُجْرَةِ بِتَرْكِ مَا أَوْجَبَ دَمًا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ تُرَدُّ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَلَى قَوْلَيْنِ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ كَمَالِ الْأَرْكَانِ الإجارة في الحج كَأَنَّهُ أَحْرَمَ وَأَتَى بِبَعْضِ الْأَرْكَانِ وَبَقِيَ بَعْضُهَا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ إِكْمَالِهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْإِجَارَةُ مُعَيَّنَةً . وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ فِي الذِّمَّةِ . فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْإِجَارَةُ مُعَيَّنَةً ؛ فَقَدْ بَطَلَتْ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْأَرْكَانِ ، فَأَمَّا الْمَاضِي مِنْهَا فَثَوَابُهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْأَجِيرِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَمْ يَنْقُلِ الْإِحْرَامَ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ إِلَى الْأَجِيرِ ، وَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِ مَا عَمِلَ مِنَ الْأَرْكَإِنِ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: