وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَرِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِيصَالُهُ إِلَى الْحَرَمِ ، فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ غَيْرَ الْمُحْصَرِ لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ: فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْحَرَ إِلَّا فِي الْحَرَمِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُحْصَرُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا فَيَقْضِيَ"قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ ، قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُحْصَرَ إِذَا تَحَلَّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ بِالْهَدْيِ وَالْحِلَاقِ حكم قضائه ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ إِحْصَارِهِ فَعَلَيْهِ أَدَاؤُهَا ، وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي الْعَامِ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَى الْمُتَحَلِّلِ بِالْإِحْصَارِ الْقَضَاءُ ، سَوَاءٌ كَانَ إِحْرَامُهُ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا ، فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً ، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا قَضَى حَجًّا وَعُمْرَتَيْنِ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِرِوَايَةِ عِكْرِمَةَ قَالَ سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كُسِرَ أَوْ عُرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ فَسَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَا: صَدَقَ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ بِالْإِحْصَارِ سَنَةَ سِتٍّ بِالْحُدَيْبِيَةِ ، قَضَاهَا سَنَةَ سَبْعٍ ، فَسُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ ، وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ ، وَعُمْرَةَ الْقِصَاصِ: وَلِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمَّا حَاضَتْ بِمَكَّةَ ، قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اقْضِي عُمْرَتَكِ وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ"، ثُمَّ أَمَرَ أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يُعَمِّرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ ، فَأَلْزَمَهَا قَضَاءَ الْعُمْرَةِ الَّتِي رَفَضَتْهَا ، وَتَحَلَّلَتْ مِنْهَا ، وَكَانَتْ فِي حُكْمِ الْمُحْصَرِ: لِأَنَّهَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى إِكْمَالِ الْعُمْرَةِ: لِأَجْلِ الْحَيْضِ ، وَلَا أَمْكَنَهَا الْمَقَامُ عَلَى الْعُمْرَةِ إِلَى أَنْ تَطْهُرَ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْحَجِّ: وَلِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ نُسُكِهِ قَبْلَ تَمَامِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ ، كَالْفَائِتِ ، وَلِأَنَّ الْحَصْرَ نَوْعَانِ: عَامٌّ ، وَخَاصٌّ . فَلَمَّا لَزِمَهُ الْقَضَاءُ بِالتَّحَلُّلِ مِنَ الْحَصْرِ الْخَاصِّ ، وَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ بِالتَّحَلُّلِ مِنَ الْحَصْرِ الْعَامِّ ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [ الْبَقَرَةِ: ] ، فَذَكَرَ الْإِحْصَارَ ، وَبَيَّنَ حُكْمَهُ وَهُوَ الْهَدْيُ ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا مُوجَبَ لَهُ غَيْرُهُ ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُحْصِرَ بِالْعُمْرَةِ سَنَةَ سِتٍّ ، وَأُحْصِرَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ ، ثُمَّ تَحَلَّلُوا مَعَهُ ، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّنَةُ الْمُقْبِلَةُ ، وَهِيَ سَنَةُ سَبْعٍ خَرَجَ لِلْقَضَاءِ ، وَخَرَجَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، أَكْثَرُ مَا قِيلَ ، سَبْعُمِائَةٍ ، فَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا ، هُوَ أَنَّ الْقَضَاءَ لَوْ كَانَ يَلْزَمُهُمْ لَذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ لِيَخْرُجَ مَعَهُ جَمِيعُهُمْ: لِأَنَّ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى الْفَوْرِ مَنَعَ مِنَ التَّرَاخِي ، وَمَنْ جَعَلَهُ عَلَى التَّرَاخِي ، مَنَعَ أَنْ يُجْبَرَ التَّأْخِيرُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ: لِأَنَّ مَكَّةَ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ دَارَ شِرْكٍ ، وَكَانَ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِ الْعَامِ الَّذِي قَضَى فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ مُمْكِنٍ ، فَلَمَّا لَمْ يَخْرُجُوا وَأَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَرْكِ الْخُرُوجِ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا قَضَاءَ عَلَى الْمُحْصَرِ ، وَلَيْسَ لَهُمَا مُخَالِفٌ ، فَكَانَ إِجْمَاعًا: وَلِأَنَّهُ تَحَلَّلَ مَنْ نُسُكِهِ بِسَبَبٍ عَامٍّ ، لَمْ يُنْسَبْ فِيهِ إِلَى التَّفْرِيطِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ ، كَالْمُتَحَلِّلِ بَعْدَ