كَمَالِ الْحَجِّ: وَلِأَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ إِنَّمَا وَجَبَ بَدَلًا عَمَّا أَحَلَّ بِفِعْلِهِ مِنَ الْأَرْكَانِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَلَّلَ قَبْلَ نَحْرِهِ ، وَإِذَا كَانَ الدَّمُ بَدَلًا مِنْهَا ، وَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ كَمَا لَوْ أَكْمَلَهَا . فَإِنْ قِيلَ: فَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَلْزَمَ الْفَائِتَ الْقَضَاءُ . قُلْنَا: دَمُ الْفَوَاتِ وَجَبَ لِأَجْلِ التَّأْخِيرِ بَدَلًا مِنَ الْأَفْعَالِ . فَإِنْ قِيلَ: إِذَا قَامَ الدَّمُ مَقَامَ الْأَفْعَالِ ، يَجِبُ أَنْ يُجْزِئَهُ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ . قُلْنَا: قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ بَدَلًا عَنِ الشَّيْءِ فِي حُكْمٍ ، وَلَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ ، كَالتَّيَمُّمِ بَدَلٌ مِنَ الطَّهَارَةِ فِي سُقُوطِ الْفَرْضِ ، وَلَيْسَ هُوَ بِبَدَلٍ عَنْهُ فِي أَنْ يُؤَدِّيَ بِهِ كُلَّ فَرْضٍ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ ، يَقْتَضِي أَنَّ الْمُتَحَلِّلَ بِالْمَرَضِ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ ، وَلَنَا فِيهِ كَلَامٌ سَيَأْتِي . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى عُمْرَتَهُ ، وَسَمَّاهَا عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَالْقَضَاءِ . قُلْنَا: هَذِهِ التَّسْمِيَةُ لَيْسَتْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَالْقَضَاءِ: لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاضَى عَلَيْهَا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو عَلَى أَنْ يَرْجِعَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقِصَاصِ: لِأَنَّهُ اقْتَصَّ مِنْهُمْ حِينَ مَنَعُوهُ ، وَفِيهَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [ الْبَقَرَةِ: ] ، وَأَمَّا عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَكَانَتْ قَارِنَةً: لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا: طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْفَوَاتِ ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْغَالِبَ مِنَ الْفَوَاتِ حُدُوثُهُ مِنْ تَفْرِيطٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِحْصَارُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ بَعْدَ الْفَوَاتِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَفْعَالِ ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ ، وَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ بَعْدَ تَحَلُّلِ الْإِحْصَارِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ . وَأَمَّا الْإِحْصَارُ الْخَاصُّ حكم القضاء ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا قَضَاءَ ، فَعَلَى هَذَا قَدِ اسْتَوَيَا . وَالثَّانِي: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، فَعَلَى هَذَا ، الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ ذَكَرْنَاهُ: وَهُوَ لُحُوقُ الْمَشَقَّةِ الْغَالِبَةِ فِي الْعَامِ ، وَعَدَمُهَا فِي الْخَاصِّ . وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الْإِحْصَارِ الْعَامِّ يَمْتَنِعُ سُلُوكُ الطَّرِيقِ ، وَذَلِكَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ ، فَسَقَطَ الْقَضَاءُ ، وَفِي الْخَاصِّ لَا يَمْتَنِعُ سُلُوكُ الطَّرِيقِ ، فَوَجَبَ الْقَضَاءُ .