فَصْلٌ: إِذَا أَفْسَدَ حَجَّهُ ثُمَّ أُحْصِرَ ، ثُمَّ أَفْسَدَ حَجَّهُ قَبْلَ أَنْ يَتَحَلَّلَ ، فَلَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ بِالْإِحْصَارِ: لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ مِنْ حَجٍّ صَحِيحٍ ، كَانَ تَحَلُّلُهُ مِنَ الْحَجِّ الْفَاسِدِ أَوْلَى ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ: لِأَجْلِ الْإِفْسَادِ دُونَ الْإِحْصَارِ ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَشَاةٌ ، أَمَّا الْبَدَنَةُ فَلِأَجْلِ الْإِفْسَادِ وَأَمَّا الشَّاةُ فَلِأَجْلِ الْإِحْصَارِ ، فَإِذَا أَحَلَّ وَزَالَ الْعَدُوُّ ، وَكَانَ وَقْتُ الْحَجِّ مُمْكِنًا ، جَازَ أَنْ يَقْضِيَ الْحَجَّ فِي عَامِهِ .
فَصْلٌ: إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ ، ثُمَّ أُحْصِرَ ، أَوْ أُحْصِرَ ثُمَّ فَاتَهُ الْحَجُّ قَبْلَ أَنْ يَتَحَلَّلَ فَلَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ: لِمَا ذَكَرْنَا ، ثُمَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ بِالْفَوَاتِ ، وَدَمَانِ: أَحَدُهُمَا: لِأَجْلِ الْفَوَاتِ . وَالثَّانِي: لِأَجْلِ الْإِحْصَارِ .
فَصْلٌ: إِذَا فَعَلَ الْمُحْصَرُ قَبْلَ إِحْلَالِهِ شَيْئًا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ ، كَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ ، وَالْحَلْقِ وَغَيْرِهِ ، فَالْفِدْيَةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ كَغَيْرِ الْمُحْصَرِ: لِأَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَا أَطْبُخُ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ مِنْ رَأْسِي ، فَقَالَ: يَا كَعْبُ أَيُؤْذِيكَ هَوَامُ رَأْسِكَ ، قُلْتُ: نَعَمْ ، فَأَمَرَهُ بِالْفِدْيَةِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِحْصَارِ .
فَصْلٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا أُحْصِرُوا وَكَانَ بِهِمْ قُوَّةٌ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّهِمْ ، كَانَ لَهُمُ الْقِتَالُ وَالِانْصِرَافُ أَيْنَمَا شَاءُوا: لِأَنَّ لَهُمْ تَرْكَ الْقِتَالِ إِلَّا فِي النَّفِيرِ ، وَأَنْ يَبْدَأُوا بِالْقِتَالِ ، فَإِنْ أَرَادُوا قِتَالَ عَدُوِّهِمْ ، فَإِنْ كَانَ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ الرُّجُوعَ عَنْهُمْ ، اخْتَرْتُ لَهُمْ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ قِتَالَهُمْ ، قَاتَلُوا وَلَبِسُوا السِّلَاحَ ، وَافْتَدَوْا إِنْ لَبِسُوهُ قَبْلَ إِحْلَالِهِمْ ، وَإِنْ أُحْصِرُوا بِغَيْرِ الْمُشْرِكِينَ ، اخْتَرْتُ الِانْصِرَافَ عَنْهُمْ بِكُلِّ حَالٍ .
فَصْلٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ أُحْصِرُوا بِالْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ ، فَأَعْطَوْهُمُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَأْذَنُوا لَهُمْ فِي الْحَجِّ ، لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الرُّجُوعُ ، وَكَانُوا غَيْرَ مُحْصَرَيْنِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ لَا يُوثَقُ بِأَمَانِهِمْ ، أَوْ يُعْرَفُ غَدْرُهُمْ ، فَيَكُونَ لَهُمُ الِانْصِرَافُ إِذَا كَانُوا هَكَذَا بَعْدَ الْإِحْلَالِ .
فَصْلٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ كَانُوا مِمَّنْ يُوثَقُ بِأَمَانِهِمْ ، فَأَعْطَوْهُمُ الْأَمَانَ عَلَى جَعْلٍ كَبِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ الإحصار للمحرم ، لَمْ أَرَ أَنْ يُعْطُوهُمْ شَيْئًا: لِأَنَّ لَهُمْ عُذْرًا فِي الْإِحْصَارِ يَحِلُّ لَهُمْ بِهِ الْخُرُوجُ مِنَ الْإِحْرَامِ ، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَنَالَ الْمُشْرِكُ مِنَ الْمُسْلِمِ أَخَذَ شَيْءٍ: لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمُ الصَّغَارُ . وَلَوْ فَعَلُوا لَمْ يَحْرُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَإِنِّي كَرِهْتُهُ ، كَمَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ مَا وَهَبُوهُ لِمُشْرِكٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ .
فَصْلٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَوْ قَاتَلَهُمُ الْمُحْصَرُ ، فَقُتِلَ وَجُرِحَ وَأَصَابَ دَوَابَّ أَنِيسَةً ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ غُرْمٌ ، وَلَوْ أَصَابَ لَهُمْ صَيْدًا يَمْلِكُونَهُ ، جَزَاهُ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَضْمَنْ لَهُمْ شَيْئًا ، وَلَوْ كَانَ الصَّيْدُ لِمَنْ هُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُهُمْ جَزَاهُ ، وَضَمِنَ