فهرس الكتاب

الصفحة 1874 من 8432

فَصْلٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ مُؤَجَّلًا وَلَا بِصِفَةٍ . فَأَمَّا قَوْلُهُ: مُؤَجَّلًا: يَعْنِي بِهِ تَأْجِيلَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ ، كَقَوْلِهِ بِعْتُكَ دَارًا بِالْبَصْرَةِ ، أَوْ بَغْدَادَ ، عَلَى أَنْ أُسَلِّمَهَا إِلَيْكَ بَعْدَ شَهْرٍ ، فَهَذَا بَاطِلٌ ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ بِشَرْطِ تَأْخِيرِ الْقَبْضِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ . فَإِنْ قِيلَ: فَقَبَضُ الْغَائِبِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُؤَخَّرًا . قِيلَ: هُوَ مُؤَخَّرٌ بِغَيْرِ أَجْلٍ مَحْدُودٍ ، فَجَازَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَعَ الشَّرْطِ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ قَبْلَ الْأَجَلِ ، فَيُؤَخِّرُهُ لِأَجْلِ الشَّرْطِ ، وَقَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَجَلِ ، فَيَلْزَمُ تَسْلِيمُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا بِصِفَةٍ . فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ تَأْوِيلُ الْبَصْرِيِّينَ: أَنْ يَصِفَ الْعَيْنَ الْغَائِبَةَ بِجَمِيعِ صِفَاتِهَا ، فَلَا يَجُوزُ: لِأَنَّهَا تَصِيرُ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي مَعْنَى السَّلَمِ فِي الْأَعْيَانِ . وَالثَّانِي: تَأْوِيلُ الْبَغْدَادِيِّينَ: أَنْ يَجْعَلَ بَيْعَ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ مَضْمُونًا فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَا يَجُوزُ كَالسَّلَمِ فِي الْأَعْيَانِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَمُؤَجَّلٍ: لِأَنَّ بُيُوعَ الْأَعْيَانِ يَصِحُّ تَأْجِيلُ الثَّمَنِ فِيهَا ، سَوَاءً كَانَتِ الْعَيْنُ حَاضِرَةً أَوْ غَائِبَةً ، لِأَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ ، وَلَيْسَ كَالسَّلَمِ الْمَضْمُونِ فِي الذِّمَمِ ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِمُؤَجَّلٍ: لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي مَعْنَى بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ . فَهَذَا جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي بَيْعِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ وَيَتَّصِلُ بِهِ . فَصْلٌ: فَأَمَّا بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ مَعَ تَقَدُّمِ الرُّؤْيَةِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي قَدْ شَاهَدَا السِّلْعَةَ ثُمَّ غَابَا عَنْهَا ، وَعَقْدَا الْبَيْعَ عَلَيْهَا . فَلَا يَخْلُو حَالُ الرُّؤْيَةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَرِيبَةَ الْمُدَّةِ ، أَوْ بَعِيدَتَهَا . فَإِنْ كَانَتِ الْمُدَّةُ قَرِيبَةً وَلَيْسَ لَهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيُّ مِنْ أَصْحَابِهِ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ ، حَتَّى تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مُقَارِنَةً لِلْعَقْدِ . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: قُلْتُ لِمَنْ يُنَاظِرُ عَنِ الْأَنْمَاطِيِّ: مَا يَقُولُ صَاحِبُكَ فِي الدَّارِ إِذَا رَآهَا الْمُشْتَرِي ، وَخَرَجَ إِلَى الْبَابِ ، وَاشْتَرَاهَا ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ . قُلْتُ: فَإِنْ رَأَى خَاتَمًا وَأَخَذَهُ فِي كَفِّهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ قُلْتُ: فَإِنْ رَأَى أَرْضًا وَخَرَجَ مِنْهَا إِلَى جَانِبِهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا ؟ قَالَ: فَتَوَقَّفَ: لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: يَجُوزُ لَنَاقَضَ مَذْهَبَهُ ، وَلَوْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ، لَمَا أَمْكَنَ ابْتِيَاعُ الْأَرْضِ . فَهَذَا قَوْلُ الْأَنْمَاطِيِّ ، وَقَلَّ مَنْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت