فهرس الكتاب

الصفحة 2033 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الزَّرْعَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: - ضَرْبٌ يُجَزُّ مَرَّةً فَيَذْهَبُ أَصْلُهُ ، كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ ، فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ . - وَضَرْبٌ يُجَزُّ مِرَارًا وَهُوَ بَاقِي الْأَصْلِ ، كَالْقَتِّ وَالْأُشْنَانِ وَأَنْوَاعٍ مِنَ الْبُقُولِ . فَإِذَا بِيعَتْ أَرْضٌ فِيهَا مِنْهُ ، كَانَ مَا ظَهَرَ مِنْ نَبَاتِهِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي الْبَيْعِ ، وَكَانَ الْأَصْلُ الْبَاقِي تَبَعًا لِلْأَرْضِ كَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ ، وَهَلْ يُنْتَظَرُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ نَبَاتِهِ تَنَاهِي جِزَازِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَنْتَظِرُ بِهِ تَنَاهِي الْجِزَازِ . وَالثَّانِي: لَا يُنْتَظَرُ بِهِ ، بَلْ لَا حَقَّ لِلْبَائِعِ إِلَّا فِيمَا كَانَ ظَاهِرًا وَقْتَ الْعَقْدِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ ، وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُهُمَا ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ النَّوْعُ مِنَ الزَّرْعِ بَذْرًا لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ ، فَمَنِ انْتَظَرَ فَمَا ظَهَرَ مِنْهُ تَنَاهِي الْجِزَازِ جَعَلَ مَا ثَبَتَ مِنْ هَذَا الْبَذْرِ أَوَّلَ جَزِّهِ لِلْبَائِعِ ، وَمَنْ لَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ التَّنَاهِي وَجَعَلَ حَقَّ الْبَائِعِ مَقْصُورًا عَلَى مَا ظَهَرَ جَعَلَ الْبَذْرَ وَجَمِيعَ مَا يَظْهَرُ مِنْ نَبَاتِهِ لِلْمُشْتَرِي .

فَصْلٌ: فَأَمَّا الْبِطِّيخُ وَالْخِيَارُ وَالْقِثَّاءُ ، وَمَا تُؤْخَذُ ثَمَرَتُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لَكِنْ فِي عَامٍ وَاحِدٍ للبائع من ثمرته ما قد ظهر ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حُكْمِهِ إِذَا بِيعَتِ الْأَرْضُ ، وَهُوَ فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ ، أَنَّهُ يَكُونُ فِي حُكْمِ الشَّجَرِ ، فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ مِنْ ثَمَرَتِهِ مَا قَدْ ظَهَرَ ، وَلِلْمُشْتَرِي الْأَصْلُ الْبَاقِي وَمَا يَظْهَرُ: لِأَنَّ ثَمَرَتَهُ لَا تُوجَدُ دُفْعَةً فَصَارَ بِالشَّجَرِ أَشْبَهُ . وَالْوَجْهِ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي حُكْمِ الزَّرْعِ فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ أَصْلُهُ وَثَمَرُهُ: لِأَنَّهُ زَرْعُ عَامٍ وَاحِدٍ وَلَوْ تَفَرَّقَ لُقَاطُ ثَمَرِهِ ، وَالشَّجَرُ مَا بَقِيَ أَعْوَامًا فَأُلْحِقَ بِهِ فِي الْحُكْمِ مَا بَقِيَ أَعْوَامًا كَالْعَلَفِ ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ مَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا عَامًا وَاحِدًا كَالزَّرْعِ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَوْزُ الْمَوْجُودُ وَقْتَ الْعَقْدِ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ كَالزَّرْعِ فَأَصْلُهُ لَا يُحْمَلُ إِلَّا سَنَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ يَمُوتُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَكَانَهُ فَرْخًا يَحْمِلُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْأَصْلُ الْمَوْجُودُ وَقْتَ الْعَقْدِ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ كَالزَّرْعِ: لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ سَنَتِهِ ، وَالْفَرْخُ الَّذِي يُسْتَخْلَفُ كَالشَّجَرِ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"وَإِنْ كَانَ فِيهَا حَبٌّ قَدْ بَذَرَهُ ، فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ ، إِنْ أَحَبَّ نَقْضَ الْبَيْعِ أَوْ تَرْكَ الْبَذْرِ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُحْصَدَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ . إِذَا ابْتَاعَ أَرْضًا فِيهَا بَذْرٌ لِزَرْعٍ لَا يَبْقَى لَهُ بَعْدَ حَصَادِهِ أَصِلٌ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ ، فَالْبَذْرُ لِلْبَائِعِ خَارِجٌ مِنَ الْعَقْدِ: لِأَنَّهُ مُسْتَوْدَعٌ فِي الْأَرْضِ لِتَكَامُلِ الْمَنْفَعَةِ لَا لِلِاسْتِدَامَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِهِ فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ ، فَإِنْ أَقَامَ كَانَ الْبَذْرُ مَقَرًّا فِي الْأَرْضِ إِلَى وَقْتِ حَصَادِهِ كَمَا قُلْنَا فِي الزَّرْعِ ، فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَ بَيْعُ الْأَرْضِ الْمَبْذُورَةِ أَوِ الْمَزْرُوعَةِ بَاطِلًا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَالْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ: لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْمَبِيعِ فِي الْحَالَيْنِ مُسْتَحَقَّةٌ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت